الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ أغسطس-٢٠٢٦       5555

وائل العتيبي – جدة

لم يكن إعلان الفنانة السعودية  داليا مبارك  اعتزالها الفن مجرد خبر يُضاف إلى المشهد الغنائي؛ فقد أعاد معه سؤالًا ظل حاضرًا في كواليس الأغنية السعودية: أين تقف الفنانات السعوديات اليوم؟ وهل يشهد الحضور النسائي في الساحة الغنائية تراجعًا، أم أن المشهد يعيد تشكيل نفسه بأسماء ومسارات جديدة؟

 

جاء السؤال هذه المرة من داخل صناعة الموسيقى نفسها؛ إذ علّق الملحن والموسيقي السعودي الأمير سعود بن عبدالمجيد بن سعود، نائب رئيس جمعية الموسيقى، على اعتزال داليا مبارك، متسائلًا عبر حسابه الشخصي في منصة «إكس»: «مع إعلان الفنانة داليا اليوم الاعتزال وقبلها الفنانة وعد. هل بقى عندنا بالسعودية فنانات؟».

 

وبعيدًا عن حرفية السؤال، فإن دلالته تتجاوز رصد غياب اسم أو اعتزال فنانة؛ إذ يضع استدامة الحضور النسائي في الأغنية السعودية موضع نقاش، ويستدعي سؤالًا آخر عن البيئة التي تحتضن المواهب، وتصنع مساراتها، وتضمن استمرارها في صناعة تتسع يومًا بعد يوم.

 

وفي طرح آخر، انتقل الأمير سعود إلى الجانب المهني من القضية، معتبرًا أن المقارنة بالماضي تكشف، من وجهة نظره، عن «تقصير كبير جدًا حاليًا»، منتقدًا ما يراه حاجةً إلى مزيد من التنظيم للمجال الفني، وتصنيف الفنانين، ووضع أطر واضحة لمزاولة مهن الغناء والتلحين والعزف وغيرها من التخصصات التي تشكل صناعة الموسيقى.

 

ولم تتوقف ملاحظاته عند التنظيم، بل امتدت إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في الصناعة: حقوق المبدعين. إذ دعا إلى حفظ العوائد المالية للفنانين والملحنين عن أعمالهم التي تُبث عبر الإذاعات والقنوات التلفزيونية والمنصات الرقمية، إلى جانب وضع نظام يحفظ حق الفنان والملحن عندما تُؤدّى أعمالهم من آخرين في الأداء العلني.

 

وشدد في طرحه على أن حماية حقوق الملكية الفكرية ينبغي أن تشمل جميع أطراف العملية الإبداعية، من المغنين والشعراء والملحنين والعازفين، سواء كانوا أحياءً أم انتقلت حقوق أعمالهم إلى ورثتهم، في إطار تنظيمي يواكب ما تشهده صناعة الموسيقى عالميًا.

 

وتأتي هذه الآراء من شخصية تنتمي إلى المشهد الموسيقي من أكثر من زاوية؛ فالأمير سعود بن عبدالمجيد ملحن وموسيقي سعودي، ونائب رئيس جمعية الموسيقى، وله تجربة في التلحين والعمل المؤسسي، إلى جانب اهتمامه بتوثيق الموروث الغنائي السعودي واستعادة الأعمال التي تشكل جزءًا من ذاكرة الأغنية المحلية.

 

وعلى امتداد تجربته الفنية، تعاون مع أسماء بارزة في الأغنية السعودية، من بينها الفنان محمد عبده، وارتبط اسمه بأعمال مثل «قديم الحب» و«حي سلمان»، إلى جانب أعمال وطنية، كما تعاون مع الفنان عبادي الجوهر في العمل الوطني «ساعة الحزم»، فضلًا عن تجارب وألحان أخرى في سياقات وطنية وعاطفية.

 

ولا تنفصل تجربته في التلحين عن اهتمامه بالتوثيق؛ فقد انشغل بجمع الأعمال التي تناولت مدن المملكة، في محاولة لاستعادة الأغاني التي حملت أسماء المدن وملامحها وذاكرتها، وتحويلها من أعمال متفرقة إلى جزء من أرشيف الذاكرة الموسيقية السعودية.

 

ويكشف هذا الجانب التوثيقي عن رؤية أوسع لدى الأمير سعود تجاه الأغنية؛ فهي ليست مجرد لحن وصوت وأداء، وإنما سجل ثقافي يحمل ذاكرة المكان والإنسان، ويحتاج إلى الحفظ والتوثيق، مثلما تحتاج الصناعة الحديثة إلى التنظيم وحماية الحقوق.

 

لذلك تبدو تغريداته الأخيرة وكأنها تضع ملفين متجاورين على الطاولة: ملف حضور الفنانات السعوديات، وملف البنية المهنية لصناعة الموسيقى. وبينهما سؤال جوهري عن قدرة المشهد الجديد على إنتاج نجوم ومبدعين يحظون بالاستمرارية، وليس مجرد حضور عابر مرتبط بمرحلة أو موسم أو فعالية.

 

أما اعتزال داليا مبارك، فلا يعني بالضرورة خلو الساحة من الأصوات النسائية، لكنه يمنح النقاش توقيته المناسب؛ فكل مغادرة لفنانة معروفة تفتح الباب للتساؤل عن البدائل، وعن المواهب التي تقف خلف المشهد، وعن المساحات المتاحة لها كي تتحول من موهبة إلى تجربة فنية مكتملة.

 

وفي المقابل، فإن اتساع الحفلات والمنصات الموسيقية لا يكتمل أثره، في جوهر طرح الأمير سعود، من دون منظومة مهنية تحفظ الحقوق، وتنظم المهن، وتدعم المبدعين؛ لأن صناعة الموسيقى لا تُقاس فقط بعدد الحفلات والأغاني، وإنما بقدرتها على حماية من يصنعونها، وتوثيق ما أنتجته، وفتح الطريق أمام أصوات جديدة.

 

وهكذا يتحول سؤال «هل بقى عندنا بالسعودية فنانات؟» من تغريدة عابرة إلى سؤال مفتوح على مستقبل الأغنية السعودية: من سيملأ المساحة التي تتركها الأصوات المغادرة؟ وكيف تُكتشف الأصوات الجديدة؟ وهل تستطيع الصناعة أن توفر للفنان والفنانة والملحن والشاعر والعازف البيئة التي تجعل الإبداع مهنة مستدامة، وحقوقًا مصونة، وذاكرةً لا تضيع؟