الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٠ أغسطس-٢٠٢٦       2805

بقلم _ د. غالية بنت عيسى الزبيدي*

حين يُذكر اسم "موزة" يتبادر إلى الذهن سريعًا ذلك العنقود الأصفر الذي يحمل مذاقًا حلوًا وذاكرة مرتبطة بالطفولة والطعام، غير أن الاسم حين ينتقل من عالم النبات إلى عالم الإنسان يكتسب حياة أخرى؛ حياة تصنعها اللغة والتاريخ والثقافة. فـ" موزة" التي تسكن أسماء النساء في الخليج ليست ابنة الشجرة، كما قد يوحي ظاهر اللفظ، بل هي ابنة سياق عربي قديم حمل في داخله معاني الجمال والقيمة والتميز.
وهو من الأسماء العربية الفصيحة، وقد ورد في كتب الباحثين بوصفه اسمًا عربيّ الأصل، وليس اسمًا أعجميًّا كما يظن بعض الناس. 
وقد ربط بعض اللغويين معناه باللؤلؤة أو الجوهرة البيضاء اللامعة، وهي دلالة تنسجم مع البيئة الخليجية التي كان البحر فيها مصدر الحياة والرزق والجمال.


"مَوْزَة" اسم علم مؤنث، له معانٍ ودلالات مختلفة في التراث العربي وقواميس المعاجم، ومنها المعنى التراثي والثقافي في منطقة الخليج العربي وهو نوع من اللؤلؤ: وقد ربط هذا الاسم بين التراث في الخليج والجزيرة العربية إذ كان يُنطق قديماً "مازة" وهي نوع نادٍر وثمين من حبات اللؤلؤ الطولية التي تشبه ثمرة الموز في قوامها وكانوا يطلقونه على اسم الفتاة تيمنًا بالنفائس من الجواهر واللؤلؤ .
أما المعنى المجازي فكان يُعتقد شعبياً في بعض المصادر الحديثة الخاصة بالأسماء أنه أُخذ مشابهةً بشكل "البنان" الإصبع أو استعارةً للقد الممشوق.
و"مَوَزَّة "بفتح الميم والواو جاء في معجم المعاني الجامع أنه يعني الأرض كثيرة "الوَزّ" وهو نوع من الطيور.
ولعل أجمل ما في هذا الاسم أنه يحمل ذاكرة المكان؛ فالخليج لم يعرف البحر بوصفه ماءً فقط، بل عرفه كخزينةٍ للأسرار، تخرج من أعماقه اللآلئ التي شكّلت جزءًا من هوية الإنسان الخليجي؛ لذلك لم يكن غريبًا أن ترتبط أسماء النساء في هذه البيئة بصور الأشياء النفيسة: اللؤلؤ، والدر، والأحجار الكريمة، وغيرها من المفردات التي تشير إلى الندرة والقيمة والجمال.

أما انتشار اسم موزة، فقد ارتبط بتاريخ اجتماعي طويل، إذ عُرف الاسم في عصور مبكرة، ثم زاد حضوره في الجغرافيا العربية، واستقر في الذاكرة الخليجية بوصفه اسمًا نسائيًا يحمل دلالات المكانة والجمال. 
وتشير بعض المصادر إلى أن الاسم عرف حضورًا واضحًا منذ القرون الوسطى، ومن النساء اللاتي ارتبط بهن تاريخيًا:
 موزة بنت عجلان بنت أمير المدينة المنورة، زوجة الشريف حسن بن عجلان، التي أصبح ابنها الشريف بركات بن حسن بن عجلان يُعرف بلقب "ابن موزة"، وتحرك الاسم في الخليج، ووجد بيئة ثقافية واجتماعية مناسبة للانتشار، خصوصًا في عُمان والإمارات وقطر، حيث كانت الأسماء المرتبطة بالجمال والدرر والصفاء حاضرة في الخيال الشعبي؛ ففي عُمان برزت السيدة  موزة  بنت الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدية في القرن الثامن عشر الميلادي، بوصفها واحدة من النساء اللواتي تركن أثرًا سياسيًا واجتماعيًا في تاريخ الدولة البوسعيدية، حتى أصبح اسمها جزءًا من الذاكرة العُمانية.


وفي الإمارات يظهر الاسم في أكثر من طبقة اجتماعية وتاريخية؛ فقد حملته نساء من الأسر الحاكمة، منهن الشيخة  موزة  بنت هلال آل نهيان، حفيدة الشيخ صقر بن زايد آل نهيان، والتي كان لها حضور في بدايات العمل النسائي الإماراتي، كما بقي الاسم حاضرًا في الذاكرة الشعبية لدى نساء التراث والمجتمع، مثل الراوية الإماراتية  موزة  سالم الشحي التي ارتبط اسمها بحفظ الحكايات والموروث الشعبي. 
أما في قطر، فقد انتقل الاسم إلى فضاء حديث أكثر اتساعًا مع الشيخة موزا بنت ناصر المسند، زوجة الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ووالدة أمير قطر الشيخ تميم بن حمد، حيث ارتبط الاسم بمشروعات التعليم والثقافة والتنمية، فأصبح حاضرًا ليس فقط بوصفه اسمًا عائليًا، بل بوصفه رمزًا للدور الثقافي والاجتماعي للمرأة الخليجية.
وفي البحرين والكويت - رغم قلة التوثيق التاريخي للأسماء النسائية في المصادر القديمة - فإن اسم  موزة  كان جزءًا من منظومة الأسماء الخليجية المتداولة، شأنه شأن أسماء أخرى، مثل: حصة، نورة، لولوة زيانة ، دانة ، واقماشة، وهي أسماء ارتبطت بثقافة الخليج التي كانت تستمد مفرداتها من البحر واللؤلؤ والجمال.

 كما أن قرب المجتمعات الخليجية من بعضها البعض، وتشابه البنية الاجتماعية والأسرية، جعلا الأسماء تنتقل بين السعودية و الإمارات وعُمان و وقطر و البحرين والكويت دون حدود واضحة.
ومن اللافت في ثقافة العرب قديمًا أنهم لم يفصلوا بين الإنسان والطبيعة؛ فقد كانت الأسماء تستمد جمالها من الأشياء المحيطة بهم؛ فسمّوا بناتهم بأسماء تحمل صورًا من البيئة: 
وردة، ريحانة، جمانة، لؤلؤة ، وغزالة....، فقد جاء بعضها من عالم النبات أو الحيوان، لأن العرب كانوا يرون في الطبيعة مرآة للصفات الإنسانية؛ فالزهرة رمز الرقة، والغزال رمز الجمال، واللؤلؤ رمز الصفاء، وهكذا أصبحت الموجودات من حولهم قاموسًا مفتوحًا للأسماء.

 

لكن لماذا لم يكن اسم "موزة" مرتبطًا في الوعي الشعبي الخليجي بالفاكهة؟
ربما لأن الاسم سبق انتشار الموز بوصفه فاكهة مألوفة في المنطقة، ولأن الأسماء لا تُفهم دائمًا من معناها المعجمي المباشر، بل من الذاكرة التي تراكمت حولها؛ فكم من كلمة تغيرت دلالتها حين انتقلت من اللغة إلى الحياة، وأصبحت تحمل تاريخ عائلة أو مكان أو شخصية مؤثرة.
وربما تكمن روعة اسم "موزة" في هذه المفارق :
 فهو اسم يبدو بسيطًا في نطقه، لكنه يختزن طبقات من الحكايات؛ فيه شيء من لمعان اللؤلؤ، وشيء من دفء البيت الخليجي، وشيء من حضور النساء اللواتي حملنه عبر الأجيال.  
فلم يكن الاسم اختيارًا عابرًا، بل كان إعلانًا عن رغبة الآباء في أن تكون بناتهم تاريخًا محفوظًا في الذاكرة، كما تُحفظ اللؤلؤة في صدفتها.

هكذا بدا لنا اسم "موزة" ليس كثمرةٍ نبتت في تاريخ طويل من اللغة والثقافة والحضور المكاني ؛ اسمٌ خرج من أعماق المجتمع قبل أن يصل إلى ألسنة الناس، وظل محتفظًا بقدرته على الجمع بين البساطة والجمال، وبين الاسم والحكاية.

*عن الكاتبة: 
شاعرة وكاتبة وباحثة في اللسانيات الحديثة وتحليل الخطاب
الفائزة بجائزة سرد الذهب للقصة القصيرة غير المنشورة بدورتها الثالثة لعام 2026 م.