بقلم - طارق محمود نواب
يخطئ من يظن أن الفلسفة ترف يليق بمن فرغ من هموم الحياة أو أنها رياضة ذهنية لا يمارسها إلا أصحاب الأبراج العاجية. فالحقيقة أبسط من ذلك وأعمق. فالإنسان منذ أن فتح عينيه على هذا العالم وهو يسأل لماذا؟ ومنذ أن عرف الفرح والحزن وهو يبحث عن معنى لما يعيشه. وبين السؤال والمعنى ولدت الفلسفة لا في الكتب بل في قلب الإنسان.
ومحراب الفلسفة ليس بناء من حجر ولا قاعة تعج بالمحاضرات ولا مكتبة تتراص فيها المجلدات. إنه ذلك الركن الصامت في النفس حيث يهدأ صخب العالم ويجلس العقل أمام نفسه بلا شهود. فهناك تبدأ المحاسبة الحقيقية لا للآخرين بل للأفكار التي سكنت الإنسان حتى حسبها حقائق لا تقبل المراجعة.
ولعل أخطر ما يصيب العقل ليس الجهل وإنما الاكتفاء. فالجاهل قد يتعلم أما الذي يظن أنه بلغ نهاية المعرفة فقد أغلق على نفسه أبوابها كلها. ولهذا لم يكن الحكماء أكثر الناس ادعاء بل كانوا أكثرهم تواضعًا لأنهم أدركوا أن كل جواب يفتح بابًا لسؤال جديد وأن الحقيقة لا تمنح دفعة واحدة وإنما تكشف عن وجهها قليلًا قليلًا لمن يصبر على السير.
وفي محراب الفلسفة لا مكان للتعصب لأن التعصب ابن الخوف والفلسفة ابنة الشجاعة. فالشجاعة في أن تعترف بإمكان الخطأ وأن تمنح خصمك فرصة ليكون أقرب إلى الصواب منك. وليس في ذلك ضعف بل هو أرقى صور القوة. فالعقل الواثق لا يخشى الحوار أما العقل المرتبك فيلوذ بالصوت العالي حين تعجزه الحجة.
ولعل الإنسان لا يحتاج إلى الفلسفة حين تسير حياته كما يشتهي بل يحتاجها عندما تنقلب الموازين ويجد نفسه أمام خسارة لا يفهمها أو نجاح لا يفسره أو طريق لا يعرف إلى أين يقوده. فعندها يكتشف أن الحياة ليست سلسلة من الأحداث بل شبكة من المعاني وأن من يفهم المعنى يحتمل الحدث أما من يجهل المعنى فيثقل عليه كل شيء.
وليس المقصود بالفلسفة أن يعيش الإنسان أسير الأسئلة أو أن يشك في كل ما حوله وإنما أن يرفض الكسل العقلي. فالأفكار كالأجساد إذا لم تتحرك ضمرت وإذا لم تراجع شاخت وإذا لم تواجه الواقع تحولت إلى أصنام يعبدها أصحابها وهم يحسبون أنهم أحرار.
ومن العجيب أن كثيرًا من الناس يخافون الفلسفة وهم يمارسونها كل يوم. حين يختارون بين مصلحتين أو يوازنون بين العدل والرحمة أو يتساءلون عن قيمة النجاح والثروة والسعادة فإنهم يخوضون في جوهرها دون أن يشعروا. فالفلسفة ليست كلمات معقدة بل طريقة في النظر وأدب في التفكير وصدق مع النفس قبل أن تكون معرفة بالكتب.
ويبقى محراب الفلسفة مفتوحًا لكل من أحب الحقيقة أكثر من انتصار رأيه ولكل من آمن أن العقل لا يكتمل إلا بالتواضع وأن الإنسان لا يكبر بما يجمعه من المعلومات بل بما يتحرر منه من الأوهام. فمن دخل هذا المحراب بعقل صادق خرج منه أكثر هدوءًا وأرحب أفقًا وأقل عجلة في إصدار الأحكام. وحينئذ يدرك أن أعظم انتصار يحققه الإنسان ليس أن يقنع العالم بما يفكر بل أن يقنع نفسه ألا تتوقف عن التفكير.