الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ أغسطس-٢٠٢٦       4015

بقلم : طارق محمود نواب

ليست كل الكتب مصنوعةً من الورق فثمة كتب تمشي على قدمين وأخرى تمر أمامنا في الشوارع وثالثة تفتح صفحاتها في المطارات والأسواق والمقاهي والقرى البعيدة. والحياة نفسها مكتبةٌ هائلة لا تضع فهارسها على الرفوف بل تخبئ معرفتها في التفاصيل التي لا ينتبه إليها إلا من امتلك فضول النظر. لهذا لا تبدأ الثقافة دائمًا من المكتبة ولا تنتهي عندها.

فالكتاب يمنحك نافذة لكن السفر يمنحك المشهد. والتاريخ يخبرك كيف عاش الناس لكن الجلوس بينهم يكشف لك كيف يفكرون. والرواية تصف لك الإنسان أما الحياة فتضعه أمامك دون تنقيحٍ. فالثقافة في جوهرها ليست حيازة معلومات بل اتساع قابلية الإنسان للفهم.

فقد تقرأ مئات الصفحات عن مدينة ثم يمنحك السير ساعةً في أحيائها ما لم تمنحك إياه الخرائط. وقد تدرس مجتمعًا كاملًا في المراجع ثم يختصر لك حديثٌ عابر مع رجلٍ مسن طبقاتٍ من التاريخ الاجتماعي لم تصل إليها الكتب. فهناك معرفةٌ تُقرأ وهناك معرفةٌ تُعاش والإنسان الناضج ثقافيًا هو الذي يعرف كيف يصالح بين الاثنتين.

فالمكتبة التي لا تخرج بصاحبها إلى الحياة قد تتحول إلى قوقعةٍ أنيقة. فتمنحه المفردات ولا تمنحه الفراسة وتزيد محصوله من الأسماء بينما يبقى فقيرًا في قراءة الوجوه والمواقف والتحولات والثقافة الحقيقية تحتاج إلى احتكاك

بأن تسافر خارج خرائطك المعتادة. بأن تجلس مع من لا يشبهك وأن تسمع حكايةً لا تؤيد تصوراتك وأن تدخل مكانًا لم تصنعه ذائقتك وأن تمنح المختلف فرصةً ليشرح نفسه قبل أن تضعه في درجٍ جاهز من أحكامك. فالناس أيضًا مراجع والمدن هوامش طويلة على كتاب الحضارة والأسواق سجلاتٌ مفتوحة للاقتصاد والسلوك والطبقات والعادات والمجالس أرشيفٌ شفهي لما لا تحفظه الوثائق.

حتى الأخطاء التي نرتكبها تحمل معرفةً لا توجد في الفهارس. فالتجربة أحيانًا مؤلفٌ قاسٍ لكنها تكتب دروسها بحبرٍ لا تمحوه الذاكرة.

وليس المثقف من يستطيع الحديث في كل موضوع بل من اتسعت داخله المساحة لفهم ما لم يعشه بنفسه ومن تعلم أن العالم أكبر من مكتبته وأن الحقيقة لا تقيم دائمًا بين غلافين.

فاقرأ كثيرًا ثم اعبر من القراءة إلى الحياة. ودع الشارع يترك هوامشه على كتبك ودع السفر يصحح بعض خرائطك ودع البشر يضيفون إلى معرفتك ما أسقطته النظريات.

فالكتاب يعلّمك كيف ترى لكن الحياة تمنحك ما يستحق أن يُرى.

 والمثقف الحقيقي لا يحمل مكتبته على ظهره بل يحمل أثرها في عينيه حين ينظر إلى العالم.