النهار

١٣ أغسطس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ أغسطس-٢٠٢٦       4180

بقلم ـ د. عدنان المهنا

ليست الصالونات الثقافية مجرد أمكنة تلتقي فيها الوجوه وتتبادل فيها الأحاديث، بل قد تتحول، حين يقودها فكر واعٍ وروح محبة، إلى فضاءات نابضة بالمعرفة؛ تتقاطع فيها الرؤى، وتتجاور الأفكار، ويصبح الحوار جسراً بين الإنسان والإنسان.

 

وفي مدينة الطائف الغنّاء، حيث للمكان ذاكرة ثقافية وللجمال حضوره، يطل «إيوان المودة» بوصفه تجربة إنسانية وثقافية يحتضنها الأستاذ الدكتور عايض الزهراني، مستضيفاً في صالونه الخاص رموزاً من الفكر والثقافة والأدب والإعلام والفن، في مشهد يقوم على المودة أولاً، وعلى المعرفة والحوار وتبادل الرؤى ثانياً.

 

إن  الشخصيات الخلّاقة  لا تعيش بمعزل عن الحوار؛ فالإبداع نفسه ابن السؤال، والمعرفة تنمو بالاختلاف الواعي، والفكرة تكتسب قيمتها حين تدخل فضاء النقاش والنقد والتأمل. ومن هنا تتجلى أهمية المجالس التي تجمع أصحاب التجارب والخبرات، وتمنح الكلمة مساحتها، والفكر حقه، والإنسان مكانته.

 

وأقول، قارئاً ومقتبساً من خيمة أحاسيسي: إن الفكر الوجداني والاجتماعي المتواشج لدى البروفيسور عايض الزهراني يُحدث انسجاماً بهيجاً بين القلب والعقل؛ فتتجلى في إخوانياته روح الوفاء، وتتسع دوائر اللقاء لتصبح المودة مدخلاً إلى الثقافة، والثقافة طريقاً إلى الإنسان.

 

في «إيوان المودة» لا تبدو الضيافة منفصلة عن الفكرة، ولا الألفة بعيدة عن المعرفة؛ فهناك يتجاور الأدب والشعر والإعلام والفن والنقد، ويجد الحوار مساحته الطبيعية بعيداً عن التكلف، لتتشكل من تعدد الأصوات صورة أكثر رحابة للمشهد الثقافي والاجتماعي.

 

ولعل القيمة الأهم في هذه التجربة أن الأستاذ الدكتور عايض الزهراني ينطلق من الطائف، لكنه لا يقف عند حدود جغرافيتها؛ فالرؤية التي يحملها تتجه إلى الإنسان أينما كان، وإلى  الشخصيات الخلّاقة  في المجتمع، مستهدفة بناء صلات فكرية وإنسانية تتجاوز حيز الزمان والمكان.

 

إن صناعة الأثر الثقافي لا تكون دائماً فوق المنابر الكبرى أو في القاعات الرسمية؛ فقد يبدأ الأثر من مجلس دافئ، ومن حوار صادق، ومن قصيدة تُلقى، أو فكرة تُناقش، أو تجربة يرويها صاحبها، ثم تمتد دوائرها إلى خارج المكان.

 

وهنا تكمن خصوصية «إيوان المودة»؛ فهو لا يحتفي بالضيف بوصفه اسماً فحسب، بل بما يحمله من تجربة وفكر وذاكرة وإبداع. ومن خلال هذا التنوع تتولد حوارات تثري الحضور، وتعيد للصالون الثقافي دوره بوصفه مساحة للتواصل بين الأجيال والتخصصات والتجارب.

 

ولعل الذين عبروا هذا الإيوان، كلٌّ في مقامه ومجاله، قد ينسون كثيراً من تفاصيل الأيام، لكنهم لن ينسوا تلك الأخوة التي يمنحها صاحب المكان لضيوفه، ولا وعد المودة الذي يجعل المسافة أقصر، والوقت أكثر رحابة، واللقاء قابلاً لأن يبقى طويلاً في الذاكرة.

 

إن «إيوان المودة» في جوهره ليس مكاناً وحسب، بل فكرة تقول إن الثقافة تستطيع أن تكون أكثر دفئاً، وإن الحوار يمكن أن يجمع الاختلاف دون أن يفسد المودة، وإن  الشخصيات الخلّاقة  حين تلتقي في فضاء يحترم العقل والوجدان تستطيع أن تمنح المجتمع شيئاً أبقى من اللقاء: أثراً معرفياً وإنسانياً يستحق أن يُروى.