الكاتبة الجزائرية :مريم عرجون
الكاتبة الجزائرية مريم عرجون - النهار
هنالك في الشرق البعيد، حيث تلامس القمم عنان السماء، وحيث تغيب البحيرات في أحضان الأرض كأنها تهمس للعمق بسر الوجود، تمتد الصين أرضًا لا تكتفي بأن تكون رقعةً على خريطة الجغرافيا، وإنما تبدو كأنها كونٌ مصغّرٌ تتجاور في أرجائه ملامح الطبيعة، وتتعانق فيه طبقات التاريخ، وتتوالى على أرضه حكايات أمةٍ عرفت كيف تجعل من المكان ذاكرة، ومن الذاكرة حضارة، ومن الحضارة طريقًا إلى المستقبل، هناك حيث تقف جبال الهيمالايا شامخةً كحراس الزمان، وتعلو قمة إيفرست في أفقها الشرقي كأنها تاجٌ من صخرٍ يلامس السماء، وحيث تمتد الصحارى والسهوب والغابات والأنهار في لوحةٍ لا تكاد تنتهي، تبدو الصين كأن الطبيعة أرادت أن تختبر على أرضها كل وجوه الجمال، غاباتٌ كثيفة تهمس أغصانها بحكايات الأزل، وسهوبٌ مترامية تتمايل كالموج الأخضر تحت أنفاس الريح،وفي الطرف الآخر تبدو تكلامكان كأنها امرأةٌ من أسطورةٍ صينية قديمة، ترتدي ثوبًا أصفرَ زاهيًا، تتناثر عليه ألوانُ الشمس، وقد طوّق خصرَها حزامٌ من اللؤلؤ الأخضر، كأن الخضرةَ جاءت لتحتضنَ رمالَها وتمنحَها الحياة، وخلفها يقفُ تنينُ جوبي الأسطوري حارسًا لصمتِ الصحراء، بينما تحلّق عنقاءُ أوردوس فوق الأفق، بأجنحتها المضيئة، وكأنها تبشّرُ بانبعاثِ الحياة من قلبِ الصين، حيث تحمل حبات الرمل آثار قوافلٍ عبرت ذات يومٍ طريق الحرير، حاملةً الحرير والتوابل والمعرفة والأفكار بين الشرق والغرب، وفي الشرق حيث تمتد السواحل على البحار، تتراص المدن كأنها لآلئ في عقدٍ عظيم، وتنبض السهول الخصبة بحركة حياةٍ لا تهدأ، وفي الشمال تتسع المراعي، وتنطلق الخيول في فضاءاتٍ مفتوحة، بينما تتهادى في الجنوب التلال والسلاسل الجبلية في مشهدٍ يخفف من صرامة القمم، ويمنح الأرض شيئًا من رقة العاشقين، وفي قلب هذه الأرض حيث ينبض النهر الأصفر ونهر يانغتسي، بدأ تاريخٌ لا يشبه تاريخًا آخر، ففي أحواض الأنهار الخصبة ازدهرت واحدة من أقدم الحضارات في العالم، حضارةٌ عرفت الكتابة، وصنعت الورق، وأبدعت البوصلة والطباعة، ونسجت الحرير حتى صار الحرير اسمًا آخر من أسماء الصين ثم أرسلت قوافلها في طريقٍ حمل اسمها إلى أقاصي العالم، ولعل الحرير في حكايته الصينية ليس مجرد نسيجٍ ناعمٍ خرج من شرنقة دودة القز، بل صورة رمزية لأمةٍ عرفت كيف تحول الأشياء الدقيقة إلى أثرٍ عظيم، وكيف تنسج من خيوطٍ متفرقة نسيجًا متماسكًا يمتد عبر القرون، وهكذا تبدو الصين لمن يتأملها، أرضٌ تتنفس جمالًا، وحضارةٌ تتنفس تاريخًا، وأمةٌ تتنفس إرادة، لكن الصين التي أراها اليوم لا تقف عند حدود الماضي، ولا تستمد عظمتها من آثار حضارتها وحدها، فثمّة صلةٌ عميقة بين الصين التي حفظت تراثها، والصين التي اختارت أن تصنع مستقبلها.
واليوم امام سبعة وسبعون عامًا من مسيرة أمةٍ آثرت أن تخط حضورها في سفر الوجود بعزيمةٍ لا تلين، وعملٍ لا يكل، وعلمٍ لا ينضب، ولأنني أكتب من الجزائر، فإنني لا أستطيع أن أنظر إلى الصين بوصفها دولةً بعيدةً تغيب خلف آلاف الفراسخ، أو قوةً اقتصاديةً تتربع على عرش الصعود، أو دولةً كبرى تخترق حدود المستقبل بخطى واثقة فحسب، إنني أراها أيضًا من نافذة الذاكرة الجزائرية، فالجزائر التي عرفت الاستعمار وذاقت مرارة الاحتلال، لا تنظر إلى الشعوب بعين الجغرافيا وحدها، وإنما بعين المواقف، وبعض العلاقات بين الدول تولد من رحم المنافع العابرة، وبعضها يُنسج من خيوط التاريخ المديدة، أما العلاقة التي جمعت الجزائر بالصين، فكان التاريخ فيها الراوي الأول، والشاهد الأصدق، والذاكرة التي لم يمحها تعاقب السنين حين كانت الجزائر تخوض غمار ثورتها التحريرية، وحين كان صوت شعبها يعلو في وجه المستعمر مطالبًا بحقه في الحرية والسيادة، كانت الصين من بين الأوائل الذين أبصروا في القضية الجزائرية أكثر من شأنٍ داخلي، رأوا فيها قضية شعب يناضل من أجل حقه في تقرير مصيره، ويكتب تاريخ استقلاله بدم الشهداء وصبر الأجيال.
وفي عام 1958 كانت الصين أول دولة غير عربية تعترف بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، في موقفٍ لا تنظر إليه الجزائر اليوم كمجرد وثيقةٍ في أرشيف السياسة، بل كشهادةٍ تاريخية على صداقةٍ وُلدت في زمن المحنة، حين كان الاعتراف بحق شعبٍ في الحرية موقفًا له وزنه ومعناه، وتلك الالتفاتة، و ذلك الموقف النبيل، لا يُقرأ في الذاكرة الجزائرية كسطرٍ عابرٍ في كتاب التاريخ، فأممٌ عرفت وطأة الاستعمار وقسوة السجون ومرارة النفي، تعرف عن يقينٍ لا يتزعزع معنى أن تجد من يؤمن بحقها في الحرية وهي لا تزال تغالب صعوبة الطريق، ولهذا بقيت الصين في الذاكرة الجزائرية أكثر من شريك، بقيت صديقًا، والصديق في معجم الشعوب، ليس كلمةً دبلوماسيةً تتردد في المناسبات الرسمية، بل موقفٌ يُختبر في المحطات الصعبة، ويُقاس بمدى الحضور حين تضيق السبل وتقل الأصوات.
ولعل أجمل ما في العلاقة الجزائرية الصينية أن الزمن، عوض أن يمحو جذورها، أعاد صياغتها بما يليق بتحولات العالم، فبعد الاستقلال، انتقلت العلاقة من التضامن الثوري إلى التعاون البنّاء ثم اتسعت آفاقها لتشمل الاقتصاد والبنية التحتية والطاقة والصحة والتعليم والثقافة والعلوم والتكنولوجيا، حتى غدت الجزائر والصين شريكين استراتيجيين يكتبان معًا فصولًا جديدة من حكاية لم تبدأ بالمصلحة بل بدأت بالوفاء.
لكنني وأنا كاتبة أرى أن سر تميز هذه العلاقة لا يكمن في عدد المشاريع، ولا في حجم الاتفاقيات، ولا في الأرقام التي تتداولها القاعات الرسمية، وإنما في ذلك الرصيد الأخلاقي الذي سبق كل هذه المصالح، وفي ذلك الإرث الذي نقش التاريخ ملامحه في وجدان الشعبين قبل أن تتسع له لغة السياسة والاقتصاد، نحن الجزائريين الذين دفعنا ثمن الحرية غاليًا، نعرف قيمة المواقف التي تُتخذ في زمن المحن، نعرف أن الاعتراف بحق شعب في حريته ليس تفصيلًا هامشيًا في متون التاريخ، وأن التضامن مع الشعوب ليس مجاملةً تُقال على المنابر ثم تُنسى، لذلك تأتي منزلة الصين في الذاكرة الجزائرية من ذلك الحضور النبيل، ومن تلك اللحظة التاريخية التي أثبتت فيها الصين أن الجغرافيا قد تُبعد بين البلدان، لكن القيم تستطيع أن تقرّب بين الشعوب حين تلتقي عند معنى العدالة والكرامة والسيادة.
واليوم، وبعد سبعة وسبعين عامًا على تأسيس جمهورية الصين الشعبية، أجد في التجربة الصينية درسًا آخر يستحق التقدير، أن الأمم لا تبلغ نهضتها بالأماني، وإنما بالصبر والعمل والمعرفة والإصرار على صناعة المستقبل، الصين التي نراها اليوم لم تصل إلى مكانتها في ليلة واحدة، لقد بنت تجربتها خطوةً بعد خطوة، واستثمرت في الإنسان والعلم والصناعة والتكنولوجيا، حتى أصبحت قوةً مؤثرةً في الاقتصاد العالمي، وحاضرةً في مجالات كثيرة تسهم في رسم ملامح العالم القادم، وهنا على هذا المفترق الحضاري تلتقي التجربة الصينية مع ما تحتاج إليه كل دولة تريد أن تصنع مستقبلها، الإيمان بالقدرة على النهوض، وجعل المعرفة قوةً، والتخطيط منهاجًا، والعمل قيمةً وطنيةً، ولهذا لا أنظر إلى الصين اليوم بوصفها قوةً اقتصاديةً فحسب، بل أنظر إليها كتجربةٍ حضاريةٍ معاصرة تستحق أن تُقرأ بعينٍ متأملة، وأن تُدرس بعيدًا عن الأحكام الجاهزة، وأن يُنظر إلى مسيرتها من خلال ما راكمته من تجربةٍ ومعرفةٍ وإصرارٍ على البناء.
أما الجزائر والصين فهما اليوم أمام فرصةٍ حقيقية لجعل صداقتهما التاريخية قاعدةً لشراكةٍ أرحب، شراكةٍ في المعرفة والثقافة والإبداع والتكنولوجيا، وشراكةٍ في بناء جسورٍ حقيقية بين الشعبين، وأؤمن أن العلاقات بين الشعوب لا تُبنى كلها في القاعات الرسمية، ولا تختصرها الاتفاقيات التي توقعها الحكومات، فجزءٌ كبيرٌ منها تصنعه الثقافة، تصنعه الكتب التي تسافر حيث لا تسافر السياسة، وتصنعه السينما والموسيقى والفن، وتصنعه تلك اللحظة التي يكتشف فيها إنسانٌ جزائري أن وراء المسافات الشاسعة التي تفصله عن إنسانٍ صيني أحلامًا إنسانية مشتركة، أن يعيش بكرامة، وأن يرى وطنه مزدهرًا، وأن يترك لأبنائه مستقبلًا أكثر إشراقًا.
وفي هذه الذكرى أكتب من الجزائر، لا بصفتي باحثةً في العلاقات الدولية، وإنما بصفتي كاتبةً جزائريةً تؤمن بأن الوفاء جزءٌ من أخلاق الأمم، وأن بعض صفحات التاريخ لا تُقرأ بالأرقام وحدها، بل بما تتركه من أثرٍ في وجدان الشعوب.
أكتب لأن الجزائر تعرف قيمة الموقف حين يُتخذ في زمن المحنة، وتعرف أن الذاكرة الوطنية لا تحفظ فقط أسماء من صنعوا التاريخ، بل تحفظ أيضًا أيديَ امتدت إليها حين كانت في حاجةٍ إلى من يؤمن بحقها في الحرية.
ومن هنا فإنني إذ أقف على ذكرى تأسيس جمهورية الصين الشعبية، لا أتّخذ من القول تهنئةً تنساق مع العادة، ولا أُرسل تحيّةً كمن يوفي واجب المناسبة، بل أُخرج القول من مَطْوِيّ التقدير، مَبنيّاً على ما طَوَتْهُ السنين من مواقف مشتركة، وربطتْهُ العقود من وشائجَ نَمَتْ حتّى صارت جسراً بين شعبين، وإن تباعدت مسافاتُ الدّار.
فالقصة بدأت في زمن الوغى، ثم كان الاستقلال، فالتعاون، فالشراكة، وتقلّبت الأدوات، واتّسعت الآفاق، ولكن جوهر العلاقة بقي راسخاً على الاحترام المتبادل، والثقة التي لا تزعزعها الرياح، وإرادة بناء مستقبلٍ ليس كالمستقبلين.
وسبعة وسبعون عاماً من تاريخ الجمهورية الصينية ليست عدداً يُحصى، ولا أمداً يُذكر، بل هي سيرةُ أمّة جعلتِ العملَ منهاجاً، والعلمَ عُدّةً، والإرادةِ جسرا إلى ما وراء الأفق، ومن الجزائر التي تدرك أن الأمل يولد من رحم العسر، وأن النصر لا يُستوهب، أنظر إلى تلك السيرة بعين المُعايِن، لا بعين المُجامل،
فإلى الشعب الصيني، وإلى جمهورية الصين الشعبية في ذكرى تأسيسها، أُرسل أصدق التهاني، وأخلص الأمنيات، بدوام الازدهار، واستمرار التقدّم، راجياً أن تتّسع جسور التعاون بين الجزائر والصين إلى آفاق أرحب في الثقافة والمعرفة والعلم والإبداع، فإنّ بعض العلاقات لا تصنعها الجغرافيا، ولا تختصرها المواثيق، وإنما تحفظها المواقف، حين يشهد التاريخ لمن وقف إلى جوار المناضل في ساعة عُسْرته.
ومن الجزائر أرضِ الثورة والشهداء، أقول:
كلّ عام والصين وشعبُها بخير، وكلّ عام والعلاقة الجزائرية الصينية تمضي بثباتٍ نحو مستقبلٍ أوسعَ فضاءً وأبعدَ مدىً.