النهار

٣٠ أغسطس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٣٠ أغسطس-٢٠٢٦       1980

بقلم-د. فايز الاحمري

في التعليم، لا تُقاس القرارات بجمال صياغتها ، ولا بما تحمله من تصورات على الورق، وإنما بقدرتها على ملامسة الواقع، والاستجابة لاحتياجات الميدان، وتحقيق الأثر الذي من أجله اتُّخذت ، فالميدان التربوي ليس محطةً لتنفيذ القرار فحسب، بل هو المرآة التي تكشف مدى ملاءمته، والمختبر الذي تظهر فيه نتائجه، والمصدر الذي يمكن أن يستمد منه صانع القرار كثيرًا من المؤشرات والمعطيات التي تعينه على التطوير والتحسين.
ومن هنا تأتي أهمية التكامل بين صُنّاع القرار والميدان التربوي؛ ذلك التكامل الذي يجعل صناعة القرار عمليةً تتناغم فيها الرؤية الاستراتيجية مع الخبرة الميدانية، وتلتقي فيها السياسات مع الواقع، وتُبنى فيها الخيارات على الدراسات والبيانات والملاحظات التي يفرزها التطبيق والممارسة.
ويأتي الحديث عن «حضوري» أنموذجًا حاضرًا لهذه العلاقة بين القرار والميدان، في ضوء ما أعلنه معالي وزير التعليم بشأن مراجعة آلية الحضور، وانتهاء حضور المعلم في المدرسة بانتهاء اليوم الدراسي وفق خطة كل مدرسة، بما يتيح قدرًا أكبر من المرونة في تنظيم العمل المدرسي.
ولعل القيمة الأهم في هذا التوجه لا تكمن في تفاصيل الإجراء وحدها، وإنما في الفلسفة التي تقف خلفه؛ وهي الاقتراب من واقع المدرسة، ومنحها مساحة أوسع لتنظيم شؤونها بما يتناسب مع خطتها واحتياجاتها ، فالمدرسة ليست قالبًا واحدًا تتطابق فيه الظروف والاحتياجات، والمعلمون ليسوا نسخًا متشابهة في مهامهم وأدوارهم، ولذلك فإن المرونة في القرار قد تكون في كثير من الأحيان أكثر قدرة على تحقيق العدالة والكفاءة من الجمود في التطبيق.
كما أن دعم المعلم لا ينبغي أن يُختزل في الجوانب المادية أو الإجرائية، فهناك جانب معنوي ومهني لا يقل أهمية؛ يتمثل في منحه الثقة ، وإتاحة المجال له لاستثمار وقته فيما يعزز نموه المهني، ويطور مهاراته وقدراته، ويعود بالنفع على أدائه داخل الصف ، فالمعلم الذي يجد في بيئته المهنية مساحة للتطوير والتأمل والتعلم، سيكون أكثر قدرة على صناعة تعلم نوعي، وأكثر استعدادًا لمواكبة التحولات المتسارعة في التعليم.
غير أن نجاح أي قرار تربوي لا يتوقف على حسن النية أو وجاهة الفكرة؛ بل يحتاج إلى قراءة دقيقة للواقع الميداني، والاستفادة من الدراسات والبحوث والتجارب، والاستماع إلى أصوات العاملين في المدارس ، فالدراسة الميدانية تمنح القرار عينًا ترى التفاصيل، والبيانات تمنحه دقة القياس، وخبرة الميدان تمنحه القدرة على استشراف ما قد يحدث عند التطبيق.
ولهذا، فإن التكامل بين صانع القرار والميدان ليس ترفًا إداريًا، وإنما ضرورة لضمان أن تأتي القرارات التربوية أقرب إلى الواقع ، وأكثر قابلية للتطبيق، وأقدر على تحقيق أهدافها ، فالقرار الذي يُصاغ بعيدًا عن الميدان قد يواجه عند التطبيق أسئلة لم تكن حاضرة عند ولادته، بينما القرار الذي يستمع إلى الميدان ويقرأ معطياته يكون أكثر نضجًا واستعدادًا للتعامل مع اختلاف الظروف وتنوع الاحتياجات.
و«حضوري» هنا لا يمثل مجرد منصة أو إجراء تنظيمي؛ بل يمكن النظر إليه بوصفه أنموذجًا لفكرة أوسع في الإدارة التعليمية: أن تُمنح المدرسة قدرًا من المرونة، وأن يُبنى التنظيم على طبيعة العمل الفعلية، وأن يكون الهدف النهائي هو تحسين جودة الأداء ، لا مجرد الالتزام بإطار إجرائي موحد.
إن التعليم منظومة متحركة، وما يصلح لبيئة قد يحتاج إلى تعديل في بيئة أخرى، وما يبدو مناسبًا في مرحلة قد تستدعي المتغيرات مراجعته في مرحلة لاحقة ، ولذلك فإن القرار التربوي الناجح ليس قرارًا جامدًا؛ بل قرار يتعلم من الواقع، ويستفيد من التغذية الراجعة، ويملك شجاعة المراجعة والتطوير.
ولعل الرسالة الأهم التي يمكن استحضارها هنا أن الميدان ليس آخر حلقات صناعة القرار، بل ينبغي أن يكون حاضرًا في بداياته ، فمن المدرسة تأتي الأسئلة، ومن الدراسات تأتي الأدلة، ومن الخبرة التربوية تأتي الرؤية العملية، ومن صانع القرار تأتي القدرة على تحويل ذلك كله إلى سياسات وتنظيمات تحقق الأهداف الوطنية.
وحين يلتقي القرار بنبض الميدان، تصبح المرونة وسيلةً لا غاية، والدراسة أساسًا لا إجراءً شكليًا، والمعلم شريكًا في التطوير لا مجرد منفذ، والمدرسة مساحةً لصناعة الحلول لا مجرد ساحة لتطبيقها.
وهنا تحديدًا تتجلى قيمة «حضوري» بوصفه أنموذجًا يستحق التأمل: فالقرار الذي يقرأ الواقع، ويثق بالميدان، ويستند إلى الأدلة، هو القرار الأقدر على أن يؤتي ثماره، ويحقق أهدافه، ويترك أثره في الميدان التربوي.
فالتعليم لا يصنعه القرار وحده، ولا يصنعه الميدان منفردًا؛ وإنما تصنعه شراكة واعية بين رؤية صانع القرار ونبض الميدان ، وعندما تتكامل الرؤية مع الواقع، يصبح القرار أكثر قربًا من أهدافه، وأكثر قدرة على صناعة الأثر الذي ننشده لأبنائنا ومعلمينا ومدارسنا.