النهار

٢٩ أغسطس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٩ أغسطس-٢٠٢٦       3960

بقلم -عبد المحسن محمد الحارثي 

هناك أماكن صغيرة على الخريطة، لكنها تحمل أثقالًا أكبر من مساحتها. ومضيق  هرمز  واحد منها؛ فهذه البقعة المائية بين إيران وعُمان ليست مجرد بوابة الخليج إلى المحيط الهندي، بل إحدى أهم عقد الطاقة والتجارة في العالم.

وتكفي الأرقام لتقول ذلك: نحو 20 مليون برميل يوميًا كانت تمر عبر  هرمز  في 2025، أي قرابة خُمس استهلاك السوائل النفطية عالميًا، وأكثر من ربع تجارة النفط البحرية العالمية. والأهم أن نحو 89% من النفط الخام والمكثفات العابرة للمضيق اتجهت إلى آسيا.

وهنا تبدأ القصة التي تتجاوز النفط.

فطريق الحرير الحديث ليس طريقًا واحدًا، بل شبكة من الموانئ والممرات البرية والبحرية، تصل شرق آسيا بالمحيط الهندي وبحر العرب والخليج وما بعده.

ومن هنا يمكن اختصار العلاقة كلها في جملة واحدة:

طريق الحرير يحتاج إلى هرمز، وهرمز يستطيع أن يغيّر كلفة طريق الحرير.

ولذلك فإن السؤال ليس فقط: هل يفتح  هرمز  أم يُغلق؟

السؤال الأهم:

كيف سيمر العالم من  هرمز  بعد اليوم؟

فما يجري حاليًا يحمل إشارة غير مسبوقة؛ إيران وعُمان تتفاوضان على ممر ملاحي، وإدارة لحركة العبور، وإزالة الألغام، بل وعلى تقاسم العوائد. وما زالت التفاصيل قيد التفاوض، لكن مجرد انتقال الحديث من «حرية المرور» إلى «إدارة المرور وعوائده» يمثل تحولًا يستحق التوقف. 

هنا تحديدًا تظهر عبارة هندسة المرور.

فمن ينظم الممر، ويحدد مساراته، ويوفر أمنه، ويزيل مخاطره، ويضع كلفة خدماته، لا يملك الماء بالضرورة، لكنه يملك شيئًا بالغ الأهمية: قواعد الحركة فوقه.

وهذا ما يجعل  هرمز  أكثر من مضيق.

إنه أصل جيو-اقتصادي.

ومنذ أن قال الجغرافي السياسي نيكولاس سبايكمان إن موقع «الريملاند» هو مفتاح السيطرة على أوراسيا، لم تعد السواحل والممرات مجرد جغرافيا؛ بل أصبحت أدوات قوة. وهرمز يقدم اليوم نموذجًا حيًا لهذه الفكرة: مساحة ضيقة، لكن تأثيرها يمتد إلى اقتصادات وقارات.

واللافت أن آسيا هي المستفيد الأكبر من الطاقة العابرة له؛ الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وحدها استحوذت على نحو 74% من تدفقات النفط والمكثفات عبر  هرمز  وفق بيانات 2025م .

وهنا تدخل الصين إلى قلب الصورة.

فالصين لا ترى  هرمز  كممر نفطي فقط؛ بل كجزء من أمن الطاقة وسلاسل الإمداد التي تحتاج إليها تجارتها العالمية. وطريق الحرير الذي تبنيه ليس خطًا على الخريطة، وإنما شبكة تعتمد على استقرار عقدها البحرية والبرية.

وفي المقابل ؛ لا تستطيع واشنطن أن تفصل الممرات التجارية عن المنافسة الجيوسياسية مع بكين.

ولهذا قد يكون الصراع الأعمق على  هرمز  أقل ارتباطًا بمن يملك المضيق، وأكثر ارتباطًا بمن يستطيع التأثير في قواعد الحركة عبره.

وهنا تتغير طبيعة السؤال.

فإذا أصبح المرور أكثر تنظيمًا، وأكثر أمنًا، وربما مرتبطًا بكلفة خدمات؛ فإن  هرمز  لن يعود مجرد ممر دولي، بل قد يتحول إلى منظومة اقتصادية وأمنية.

والأخطر أن الأزمة نفسها بدأت تُظهر أن العالم قادر على إعادة ترتيب طرقه عندما تتعطل عقدة واحدة؛ فقد انخفضت تدفقات النفط عبر  هرمز  بصورة كبيرة خلال اضطرابات 2026، وهو ما دفع الأسواق والمنتجين إلى البحث عن مسارات وبدائل أخرى. 

وهنا تظهر السعودية بصورة مختلفة.

فالسعودية ليست دولة مشاطئة لهرمز، لكنها تملك ميزة لا يملكها كثيرون: الخليج والبحر الأحمر، والموانئ، وشبكات الطاقة والنقل.

أي أنها تستطيع النظر إلى أمن التجارة من زاوية الشبكة، لا من زاوية المضيق.

وهنا يصبح السؤال السعودي الأذكى:

ليس من يسيطر على هرمز؟
بل من يملك البديل إذا تغيرت قواعد هرمز؟

فالقوة في عالم الممرات لا تكون دائمًا بإغلاق الطريق؛ أحيانًا تكون بامتلاك طريق آخر.

ومن هنا قد يصبح البحر الأحمر، والموانئ السعودية، والممرات البرية وخطوط الطاقة، أجزاء من معادلة أكبر: تقليل الاعتماد على عقدة واحدة، وتوسيع خيارات الحركة بين الشرق والغرب.

وهذا هو جوهر طريق الحرير في نسخته الجديدة: ليس طريقًا واحدًا يمكن قطعه، بل شبكة يمكن إعادة توجيهها.

لكن الشبكات لا تخلو من عقد.

وهرمز إحدى أهم العقد.

لذلك فإن ما يحدث اليوم قد يكون أكبر من أزمة ملاحة، وأبعد من خلاف على رسوم أو ممرات.

قد يكون اختبارًا مبكرًا لنظام جديد في إدارة الممرات الاستراتيجية؛ حيث لا يصبح الأمن مجرد حماية، بل خدمة؛ ولا يصبح المرور مجرد حق، بل منظومة؛ ولا يعود الموقع الجغرافي مجرد حدود، بل موردًا اقتصاديًا وسياسيًا.

وهنا تعود المسألة إلى سؤالها الأول:

هل يُعيد  هرمز  هندسة طريق الحرير؟

ربما لا يكون  هرمز  هو الطريق.

لكنه قد يكون أحد مفاتيح تحديد كلفته، وأمنه، وسرعة حركته، وقواعد المرور فيه.

ومن يملك مفاتيح العقدة ؛ لا يملك الطريق كله بالضرورة؛ لكنه يستطيع أن يؤثر في الطريق كله.

هرمز لا يغيّر خريطة الخليج وحدها؛ وربما بدأ يختبر خريطة التجارة العالمية.