بقلم - د. عدنان المهنا
ليست الصالونات الثقافية مجرد أماكن للقاء، بل هي فضاءات تتشكل فيها الأفكار، وتتلاقح فيها الرؤى، ويُعاد من خلالها بناء جسور الحوار بين الإنسان وأخيه الإنسان. وعندما تُدار هذه اللقاءات بروح المحبة، ورقي الفكر، وصدق المقصد، فإنها تتحول إلى مدارس معرفية تسهم في صناعة الوعي، وترسخ ثقافة الاختلاف الراقي.
ومن هذا المنطلق، يبرز «إيوان المودة» بمدينة الطائف بوصفه نموذجًا ثقافيًا واجتماعيًا مميزًا، استطاع أن يجمع نخبة من رموز الفكر والأدب والثقافة والفن، في لقاءات تتجاوز حدود المجاملة الاجتماعية إلى فضاءات الحوار العميق، والنقاش المسؤول، وسجال المعرفة الذي يفتح آفاقًا جديدة للإبداع والنقد.
ويقف خلف هذه التجربة الأستاذ الدكتور عايض الزهراني، الذي جعل من إيوان المودة منصةً للاحتفاء بالشخصيات الخلّاقة، وإبراز أثرها في المجتمع، مستندًا إلى رؤية ثقافية تنطلق من الطائف، لكنها تمتد بآفاقها إلى رحابة الوطن والإنسانية. فالإيوان لا يقتصر على استضافة الضيوف، بل يمنحهم مساحة للتعبير، ويؤسس لحوار يقوم على الاحترام المتبادل، ويحتفي بالفكر بوصفه وسيلة للبناء والتقارب.
ولعل أكثر ما يميز هذه التجربة أنها تجمع بين حرارة الوجدان ورصانة العقل؛ فالحوار فيها لا ينفصل عن الأدب، والنقد لا يفارق الذائقة، والاختلاف لا يفسد للمودة قضية. ولهذا تبدو اللقاءات وكأنها نسيج متكامل من الفكر والجمال، يتداخل فيه البيان مع الرؤية، والشعر مع النقد، والإنسان مع أخيه الإنسان.
وقد عُرف الأستاذ الدكتور عايض الزهراني بوفائه لإخوانه، وحرصه على أن يكون إيوان المودة بيتًا مفتوحًا للمثقفين والمفكرين والأدباء والإعلاميين، يجمعهم على المحبة قبل الحوار، وعلى الاحترام قبل الاختلاف، حتى أصبح هذا الإيوان محطة ينتظرها ضيوفه، وموعدًا تتجدد فيه الألفة، وتتعمق فيه العلاقات الإنسانية والثقافية.
إن هذه اللقاءات لا تصنع ذاكرةً ثقافيةً فحسب، بل تؤسس أيضًا لذاكرة وجدانية تحفظ الوجوه والمواقف والكلمات الصادقة. فالضيوف قد ينسون تفاصيل كثيرة مع مرور الزمن، لكنهم لن ينسوا دفء الاستقبال، وصدق الأخوة، ونبل الوفاء الذي يميز صاحب هذا الإيوان، ولا تلك الروح التي تجعل من اللقاء مناسبةً لتجديد المحبة، وإحياء قيمة الحوار، وتعزيز الانتماء إلى الثقافة بوصفها رسالةً إنسانيةً قبل أن تكون نشاطًا معرفيًا.
لقد استطاع إيوان المودة أن يقدم صورة مشرقة للصالون الثقافي السعودي، وأن يرسخ مفهومًا يقوم على أن الثقافة ليست نصوصًا تُقرأ فقط، وإنما علاقات إنسانية تُبنى، وأفكارًا تُناقش، وتجارب تُتبادل، وقلوبًا تلتقي على الخير والجمال.
ومن هنا، فإن تجربة الأستاذ الدكتور عايض الزهراني تستحق التقدير؛ لأنها تؤكد أن الشخصيات الخلّاقة لا تُقاس بما تنتجه من معرفة فحسب، وإنما بما تتركه من أثر في النفوس، وما تبنيه من جسور بين الناس، وما تغرسه من قيم الوفاء والمودة، لتظل الثقافة رسالةً نابضة بالحياة، ومشروعًا دائمًا لصناعة الإنسان.