الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ اكتوبر-٢٠٢٦       5225

بقلم- د. علي بن  عالي  السعدوني 

ظلّت البلاغة في الوعي التعليمي زمنًا طويلًا مرتبطة بالتشبيه والاستعارة والكناية والمحسنات البديعية حتى أصبح الطالب يدخل درس البلاغة وهو يبحث عن صورة بيانية يسميها، أو محسّن بديعي يستخرجه، أو علاقة بين طرفين يضع لها المصطلح المناسب ثم يغادر الدرس وقد حفظ أسماء الأدوات دون أن يدرك أن البلاغة أكبر من ذلك بكثير، وأنها في أصلها ليست خزانة مصطلحات نفتحها أمام النصوص القديمة ثم نغلقها، وإنما طريقة في النظر إلى اللغة وهي تعمل داخل المجتمع، وتتحرك بين الناس، وتصنع المواقف، وتؤثر في القرارات، وتبني الصور الذهنية، وتمنح بعض الكلمات قوة لا تملكها كلمات أخرى تؤدي المعنى نفسه تقريبًا.
ومن هذه المساحة الواسعة جاءت البلاغة الموسَّعة لتعيد النظر في حدود الدرس البلاغي، لا بقصد القطيعة مع البلاغة العربية القديمة التي قدّمت تراثًا بالغ الثراء في فهم النظم والصورة والدلالة ومقتضى الحال، وإنما بقصد تحرير البلاغة من القراءة التي حصرتها في أبواب جامدة، وإعادتها إلى وظيفتها الكبرى بوصفها علمًا يدرس صناعة الخطاب وطرائق تأثيره، فالبلاغة التي استطاعت قديمًا أن تفسر سر التفاضل بين عبارة وأخرى، وأن تبحث في علاقة اللفظ بالمعنى والمقام والمتلقي قادرة اليوم على أن تدخل إلى الإعلان والصحافة والخطاب السياسي والمحتوى الرقمي والتعليق الرياضي والصورة والشعار والمنصات الاجتماعية، وأن تبحث في كل ذلك عن الطريقة التي يُصنع بها المعنى قبل أن تبحث عن الاسم الذي نطلقه على الأسلوب.
والفارق كبير بين أن نقرأ الخطاب بحثًا عن الاستعارة، وأن نقرأ الاستعارة بحثًا عن وظيفتها داخل الخطاب، فالأولى تجعل غاية الباحث الوصول إلى المصطلح، أما الثانية فتدفعه إلى السؤال عن سبب اختيار هذه الصورة تحديدًا، وعن المعنى الذي أضافته، وعن الاستجابة التي أراد المتكلم إنتاجها لدى المتلقي، وعن علاقتها بالسياق وبقية عناصر الخطاب، وعندئذ تتحول البلاغة من عملية تصنيف للأساليب إلى عملية تفسير لكيفية اشتغال اللغة، وهذا التحول في زاوية النظر هو الذي يمنح مفهوم البلاغة الموسَّعة قيمته، لأنه لا يكتفي بأن يخبرنا ماذا قال الخطاب؟ وإنما يحاول أن يكشف كيف استطاع الخطاب أن يقول ما قال، وكيف رتّب أدواته حتى يجعل المتلقي يرى الموضوع بالطريقة التي أرادها منتج الخطاب.
ولعل الإعلان من أكثر النماذج التي تكشف الحاجة إلى هذا التوسع، فالإعلان الحديث قد لا يقدم لنا جملة طويلة نستخرج منها التشبيه والاستعارة والكناية، ومع ذلك يمكن أن يكون بناءً بلاغيًا شديد التعقيد، لأن اللون يؤدي وظيفة، والموسيقى تستدعي إحساسًا، وزاوية التصوير تمنح الشخصية قوة أو ضعفًا، والمسافة بين الأشياء داخل الصورة تصنع علاقة، واختيار الوجه الإنساني يثير معنى، وترتيب المشاهد يقود المتلقي نحو نتيجة  ثم تأتي كلمات قليلة في نهاية الإعلان لتغلق دائرة كاملة من التأثير، ولذلك فإن قراءة الكلمات وحدها تعني أننا قرأنا جزءًا من الخطاب وتركنا أجزاء أخرى ربما كانت أشد تأثيرًا من الكلمات نفسها.
والصورة كذلك لم تعد مجرد عنصر يرافق النص ويوضحه فقد أصبحت في كثير من الخطابات نصًا قائمًا بذاته تستطيع أن تختصر صفحة كاملة في لقطة واحدة، وأن تقدم حجة من غير مقدمة لغوية، وأن تصنع تعاطفًا أو رفضًا أو دهشة قبل أن يقرأ المتلقي حرفًا واحدًا، وهذا يفرض على البلاغة أن تتعامل مع الصورة بوصفها علامة منتجة للمعنى، وأن تبحث في تكوينها وألوانها وزواياها وما يظهر فيها وما يغيب عنها، لأن الغياب نفسه قد يكون مقصودًا، والصمت قد يؤدي وظيفة بلاغية، والمساحة الفارغة قد تحمل دلالة لا تقل عن دلالة العنصر الظاهر.
والبلاغة الموسَّعة بهذا الفهم تفتح أبوابًا واسعة أمام الباحث العربي، لأنها تسمح له بأن يقرأ خطابات الحياة اليومية بأدوات تتجاوز البحث التقليدي عن الصور والمحسنات، فيستطيع أن يدرس خطاب الجامعات، ولغة المؤسسات، والإعلانات التجارية، والشعارات الوطنية، والخطاب الرياضي، والمحتوى الذي تنتجه المنصات الرقمية، وحتى الطريقة التي تبني بها الجهات هويتها أمام الجمهور، لأن كل اختيار لغوي أو بصري أو صوتي يمكن أن يؤدي وظيفة داخل استراتيجية أكبر هدفها بناء صورة معينة في ذهن المتلقي، وإقناعه بمعنى، أو دفعه إلى موقف، أو تثبيت قيمة، أو إعادة تشكيل نظرته إلى موضوع ما.
وفي الخطاب السياسي تتضح المسألة بصورة أكبر، لأن الكلمة لا تُختار عادة بمعزل عن السياق، وترتيب القضايا لا يأتي بالضرورة اعتباطًا، والتكرار يمكن أن يؤدي وظيفة في تثبيت مفهوم، والضمائر قد تبني مسافة أو تقاربًا بين المتكلم والجمهور، والاستعارة قد تعيد تشكيل قضية كاملة في ذهن المتلقي، ولهذا فإن التحليل البلاغي الموسَّع لا يتوقف عند جمال العبارة، وإنما يلاحق شبكة العلاقات التي تجعل العبارة جزءًا من استراتيجية خطابية أوسع، فينظر إلى الحجاج، وبناء المصداقية، واستدعاء العاطفة، وترتيب الحجج، وإدارة المسافة بين المتحدث والمتلقي، والانتقال من فكرة إلى أخرى، وما ينتجه ذلك كله من أثر داخل السياق الذي قيل فيه الخطاب.
وحتى التعليق الرياضي الذي قد يراه البعض كلامًا عابرًا يولد مع المباراة وينتهي بانتهائها، يمكن أن يكون مساحة ثرية للبلاغة الموسَّعة، فالمعلّق لا ينقل ما تراه العين فقط، وإنما يعيد إنتاج المشهد باللغة، ويمنح اللحظة حجمها، ويختار المفردة التي ترفع درجة الانفعال أو تخفضها، ويستعين بالصورة والاستعارة والإيقاع والتكرار والذاكرة الرياضية والثقافة العامة، وقد تتحول جملة قصيرة قالها في لحظة حاسمة إلى جزء من ذاكرة الجمهور، لأن البلاغة في مثل هذه اللحظات لا تعمل بوصفها تزيينًا للكلام، وإنما بوصفها قدرة على منح الحدث معنى يتجاوز زمن وقوعه.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن نفعله بالبلاغة أن نبقيها أسيرة السؤال المدرسي القديم: استخرج صورة بلاغية وبيّن نوعها؛ لأن الطالب الذي يعرف أن في العبارة استعارة ولا يعرف لماذا كانت الاستعارة أكثر تأثيرًا من التعبير المباشر يعرف اسم الظاهرة ولا يعرف البلاغة نفسها، والطالب الذي يستخرج طباقًا ثم يعجز عن تفسير الوظيفة التي صنعها التضاد داخل النص مارس التصنيف ولم يمارس التحليل، والبلاغة التي نحتاجها اليوم هي التي تنتقل بالمتعلم من معرفة الاسم إلى فهم الوظيفة، ومن استخراج الأسلوب إلى تفسير أثره، ومن النظر إلى الجملة منفردة إلى النظر إليها داخل شبكة من المقام والمتكلم والمتلقي والغاية والسياق.
ومع هذا الاتساع يجب ألا تتحول البلاغة الموسَّعة إلى مظلة فضفاضة ندخل تحتها كل شيء، لأن توسيع المفهوم من غير حدود علمية قد يؤدي إلى ذوبانه، ولذلك تبقى الفكرة المركزية التي تمنح البلاغة هويتها هي الاختيار والتأثير، فالمتكلم يختار من بين بدائل، ومنتج الإعلان يختار صورة من بين صور، والمصمم يختار لونًا من بين ألوان، والكاتب يقدّم كلمة ويؤخر أخرى، وكل اختيار من هذه الاختيارات يترك أثرًا في بناء المعنى وفي طريقة استقباله، ومن هذه العلاقة بين الاختيار والأثر تستطيع البلاغة أن تدخل إلى الخطاب دون أن تفقد شخصيتها العلمية.
إن البلاغة الموسَّعة لا تعني أن نودّع عبد القاهر الجرجاني، وإنما أن نقرأه بعين أكثر اتساعًا، ولا تعني أن نتخلى عن البيان والبديع والمعاني، وإنما أن نعيد وصل هذه العلوم بالأسئلة التي يعيشها الإنسان المعاصر، لأن الفكرة العميقة في التراث البلاغي العربي لم تكن يومًا مجرد تسمية التشبيه أو الاستعارة، وإنما كانت البحث عن سر المزية، وعن سبب تفوق تركيب على آخر، وعن العلاقة بين القول والمقام، وعن الطريقة التي تتشكل بها الدلالة داخل النظم، وهذه الأسئلة نفسها ما تزال قادرة على الحياة إذا أخرجناها من ضيق المثال المحفوظ إلى رحابة الخطاب المعاصر.
البلاغة الموسَّعة في النهاية ليست توسيعًا لحدود البلاغة بقدر ما هي استعادة لمساحتها الحقيقية، فالبلاغة موجودة في القصيدة كما توجد في الإعلان، وتعمل في الخطبة كما تعمل في الصورة، ونجدها في المقال كما نجدها في التغريدة، وتظهر في الكلمة كما تظهر في اللون والصوت والصمت والحركة، لأنها علم لا يسأل عن جمال الكلام وحده، وإنما يسأل عن القوة الخفية التي تجعل خطابًا يمر أمامنا فلا يترك شيئًا، وخطابًا آخر يستقر في الذاكرة، ويعيد ترتيب أفكارنا، ويغير الطريقة التي ننظر بها إلى الأشياء.