النهار
بقلم- جمعان الكرت
يرى بعض الشعراء أن استفحال دور سماسرة العرضة وصل إلى درجة أضعفت من حضور عدد من الشعراء المتمكنين، خصوصًا أولئك الذين لا يجيدون بناء العلاقات أو لا يرغبون في الدخول في دوائر المجاملات.
وهذا رأي يستحق النقاش، حتى وإن اختلفنا مع بعض تفاصيله.
فالخطورة الحقيقية ليست في أن يشارك شاعر معين في مناسبة، وإنما في أن تصبح العلاقات الشخصية معيارًا أقوى من الموهبة.
إذا حدث ذلك بصورة مستمرة، فإن النتيجة الطبيعية ستكون إحباط الشعراء المتمكنين، وإضعاف المنافسة الفنية، وربما دفع بعض الأسماء الجيدة إلى الابتعاد عن الساحة.
وفي المقابل، فإن إعطاء الفرصة للشاعر بناءً على قدرته وحضوره ونجاحه في المناسبات السابقة، يرفع من مستوى المنافسة ويجعل الجميع أمام معيار واضح: أثبت نفسك في الميدان.
لا نريد إلغاء الوسيط.. بل ضبط دوره
ومن الإنصاف القول إنني لا أرى أن الحل يكمن في إلغاء دور كل من يقوم بالتنسيق بين أصحاب المناسبات والشعراء.
فالساحة تحتاج أحيانًا إلى من ينسق، ويتواصل، ويرتب، ويساعد صاحب المناسبة في الوصول إلى الأسماء المناسبة، خصوصًا في المناسبات الكبيرة التي تحتاج إلى تنظيم دقيق.
لكن المطلوب هو أن يكون هناك فصل واضح بين التنسيق وبين صناعة القرار.
فالوسيط يمكن أن يقترح، لكنه لا ينبغي أن يحتكر الاختيار.
ويمكنه أن يقدم رأيه، لكن لا ينبغي أن يتحول رأيه إلى حكم نهائي.
ويمكنه أن يرشح شاعرًا، لكن من حق صاحب المناسبة أن يسمع أكثر من رأي، وأن يقارن بين الأسماء، وأن يختار في النهاية من يراه مناسبًا.
وأقولها لصاحب المناسبة بكل وضوح: أقدح من رأسك.
استمع إلى الجميع، واستفد من أصحاب الخبرة، ولكن لا تسلّم مناسبتك بالكامل لشخص واحد، مهما كانت ثقته أو خبرته أو علاقاته.
اسأل عن الشعراء، شاهد حضورهم، استمع إلى قصائدهم، اسأل من سبق له التعامل معهم، ثم اتخذ قرارك.
فأنت في النهاية صاحب المناسبة، وأنت الذي سيدفع تكلفتها، وأنت الذي سيحمل الناس نجاحها أو إخفاقها.
ومن غير المنطقي أن يقرر شخص آخر نيابة عنك من يحيي مناسبتك ومن لا يحييها، ثم تتحمل أنت النتيجة.
والشاعر الجيد لا يحتاج إلى سمسار
هناك مقولة أراها تختصر جانبًا كبيرًا من الموضوع:
الشاعر الجيد معروف، ولا يحتاج إلى سمسار.
لكن هذا لا يعني أن كل شاعر يحتاج إلى أن ينتظر حتى تأتيه المناسبات وحدها، ولا يعني أن العلاقات الاجتماعية غير مهمة. وإنما المقصود أن تكون العلاقات وسيلة للتواصل، لا أن تصبح بديلًا عن الموهبة.
فالاسم الذي يملك تجربة وحضورًا وقدرة على التفاعل مع الجمهور سيبقى حاضرًا، حتى لو تغير الوسطاء وتبدلت العلاقات.
أما إذا أصبح بقاء الشاعر في المناسبات مرهونًا بشخص واحد، فهذه مشكلة ينبغي أن نتوقف عندها جميعًا.
هذه القضية، في النهاية، ليست معركة بين الشعراء والسماسرة، وليست دعوة إلى إقصاء أحد.
إنها دعوة إلى إعادة التوازن.
نريد أن تبقى العرضة الشعبية مساحة مفتوحة للمبدعين، وأن يكون المعيار الأول هو الشعر والحضور والقدرة على صناعة ليلة ناجحة، لا القرب من هذا الشخص أو ذاك.
وأقولها من باب الحرص على هذا الموروث: إذا كانت العرضة الشعبية قد وصلت إلى ما وصلت إليه من حضور ومكانة بفضل الشعراء وجمهورها وأهلها، فإن المحافظة على قوتها تتطلب أن تظل الموهبة هي الطريق الأقصر إلى المنصة.
أما الوساطة، فمكانها أن تسهّل الطريق، لا أن تقرر من يستحق أن يسلكه.
وهذا المقال جاء أيضًا بعد رسالة صوتية وصلتني من أحد الشعراء الأصدقاء، حملت عتبًا شديدًا حول هذه القضية، وهو عتب دفعني إلى الكتابة والتوقف عند الموضوع، على أمل أن يكون النقاش هادئا وموضوعيا، وأن نختلف دون أن نسيء، وأن نبحث جميعًا عما يخدم العرضة وشعراءها وجمهورها.
وسلامة الجميع.