الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٨ اكتوبر-٢٠٢٦       2805

بقلم- فاطمة الأحمد
في الثامنة صباحًا، يكون العالم قد استيقظ للتوّ، لكنّه لم يبلغ بعدُ ذروة ضجيجه. الشوارع هادئة، والهواء يحمل برودةً خفيفة، والشمس ترسل خيوطها الأولى على النوافذ والأرصفة، كأنها تفتح أبواب النهار برفق.
تخرج من بيتك، تحمل معك شيئًا من دفء المكان، وشيئًا من أحلامك التي تنتظر أن تكبر. تغلق الباب خلفك، وتهمس في قلبك: **توكلت على الله**... ثم تمضي. لا تعرف تمامًا ما الذي ينتظرك، لكنك تعرف أن الله معك، وأن كل خطوة تبدأ بها متوكلًا تحمل في طيّاتها طمأنينةً لا تشبه سواها.
تسير في طريقك، تستقبلك نسمة صباحية هادئة، وتلمح ضوء الشمس وهو ينساب على الوجوه والمباني. تسمع صوتًا بعيدًا، وخطوات مستعجلة، وربما بائعًا يفتح متجره، أو عصفورًا يغنّي على غصنٍ قريب. تفاصيل صغيرة، لكنها تمنح الصباح روحًا دافئة، وتذكّرك بأن الحياة تمضي، وأن في كل يوم فرصةً جديدة لنبدأ من جديد.
تتأمل المارّين حولك؛ لكلّ واحدٍ منهم حكاية، وموعد، وأمنية يخفيها في قلبه. بعضهم يبتسم، وبعضهم يسرع نحو عمله، وآخرون يمضون بصمت، كأنهم يرتّبون أفكارهم قبل أن يواجهوا نهارهم. عندها تدرك أن الجميع يحمل شيئًا، وأن الرحمة واللطف قد يكونان أجمل ما نهديه لبعضنا في صباحٍ عابر.
الثامنة صباحًا ليست مجرد ساعة على عقارب الوقت؛ إنها بداية صغيرة، ومساحة هادئة نراجع فيها أنفسنا، ونترك خلفنا ما أثقل أرواحنا، ونستقبل القادم بقلبٍ أوسع. إنها لحظة نتذكّر فيها أن السعي علينا، أمّا النتائج فبيد الله، وأن الأبواب التي نطرقها بتوكّل قد تُفتح لنا من حيث لا نحتسب.
فامضِ مطمئنًا، وخذ من الصباح صفاءه، ومن ضوئه أملًا، ومن هدوئه سكينة. ابتسم ولو لم تكتمل كلّ الأمور بعد، فقد تحمل هذه الساعات البسيطة بداية خبرٍ جميل، أو لقاءً لطيفًا، أو فرحًا انتظرته طويلًا.
هنا... نبدأ يومنا.  
بأمنيةٍ جديدة، وقلبٍ متوكّل، وخطوةٍ تقول:  
**ما دام الله معنا، ففي كل صباحٍ بداية.**