الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٨ اكتوبر-٢٠٢٦       3080

بقلم -الهام المحمدي 

تمهيد: بين الروح والنفس… أين يكمن الفرق؟
قبل أن نتحدث عن إشارات الروح ونداءات النفس، لا بد أن نتوقف عند الفرق بينهما؛ فكثيرًا ما نستخدم الكلمتين وكأنهما تحملان المعنى نفسه، رغم أن لكل منهما دلالات خاصة في النصوص الدينية والتأملات الإنسانية.
الروح من أمر الله، وهي سرّ من أسرار الخلق التي لا يحيط الإنسان بحقيقتها، كما قال سبحانه وتعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85].
أما النفس فهي الذات الإنسانية التي تعيش التجارب، وتشعر بالرغبات والمخاوف، وتواجه الصراعات والاختيارات، وتُحاسَب على أعمالها. وقد وصف القرآن الكريم أحوالًا مختلفة للنفس، منها النفس الأمّارة بالسوء، والنفس اللوّامة، والنفس المطمئنة.
وليس معنى ذلك أن الروح والنفس كيانان منفصلان تمامًا، فقد تتداخل دلالاتهما بحسب السياق، واختلف العلماء في بيان العلاقة بينهما.
وحين نتحدث عن «إشارات الروح»، فإننا نستخدم تعبيرًا تأمليًا عن التطلع إلى السكينة والمعنى والقرب من الله، لا عن رسائل غيبية مؤكدة. أما «نداءات النفس» فنقصد بها ما نشعر به من احتياجات ومخاوف ورغبات وصراعات داخلية تحتاج إلى فهم ووعي.
فالروح تذكّرنا بسرّ الحياة وعلاقتنا بخالقنا، والنفس تكشف لنا جانبًا من حقيقتنا الإنسانية بما فيها من ضعف وقوة، وخوف ورجاء، وصراع وطمأنينة.
ومن هنا تبدأ رحلتنا مع السؤال الأهم: ماذا يحدث حين نتجاهل ما نشعر به في أعماقنا، ونمضي في الحياة وكأن أصواتنا الداخلية لا تستحق الإصغاء؟
حين نتجاهل ما بداخلنا
أحيانًا لا تكون المشكلة في أننا لا نعرف الطريق، بل في أننا نعرف ما ينبغي علينا مراجعته، ونختار تجاهل الإشارات التي تدعونا إلى التوقف أو التغيير.
كم مرة شعرت أن شيئًا بداخلك يقول لك: توقّف، هذا المكان لا يشبهك، هذه العلاقة تستنزفك، هذا القرار لا يمنحك السلام، وهذا الطريق لم يعد طريقك؟
وكم مرة تجاهلت ذلك الشعور، وأقنعت نفسك بأن عليك الصبر أكثر، والتحمّل أكثر، والتنازل أكثر، حتى وجدت نفسك بعيدًا عن ذاتك؟
للروح نداء في لغتنا التأملية، وللنفس حديث، وللجسد لغة، ولكننا أحيانًا ننشغل بضجيج الحياة حتى لا نعود نسمع أنفسنا.
وليس كل شعور يمرّ بنا رسالة غيبية، ولا كل خوف تحذيرًا صادقًا، ولكن بعض المشاعر تستحق أن نصغي إليها، ونتأمل أسبابها بدلًا من دفنها.
عندما تصمت النفس… يتحدث التعب
حين تتجاهل نفسك طويلًا، قد تبدأ بفقدان سلامك الداخلي.
تبتسم وأنت متعب، وتقول إنك بخير وأنت بحاجة إلى الراحة، وتسامح بينما لم تمنح جرحك فرصة للفهم والتعافي، وتواصل العطاء حتى تنسى أن لنفسك عليك حقًا.
وقد يظهر هذا الاستنزاف في صورة أرق أو توتر أو إرهاق، فالنفس والجسد يتأثر كل منهما بالآخر، وإن كانت الأعراض الجسدية تحتاج أيضًا إلى الاهتمام الطبي، لا إلى تفسيرها بالمشاعر وحدها.
والسؤال الأعمق هنا:
لماذا نستمع إلى أصوات الآخرين أكثر من استماعنا إلى أنفسنا؟
لماذا نخاف من خسارة الأشخاص، ولا نخاف من خسارة سلامنا؟ لماذا نطلب رضا الجميع، ونؤجل رضا أنفسنا؟ ولماذا نعتقد أن الصبر يعني البقاء في كل ما يؤلمنا؟
لقد خُلقنا لنعيش بكرامة ووعي، لا لنقضي أعمارنا في معارك داخلية صامتة.
بين محبة الذات وتزكية النفس
إن حب الذات ليس أن تستجيب لكل رغبة، ولا أن تهرب من كل مسؤولية، بل أن تعرف متى تصبر، ومتى تتغير، ومتى تضع حدودك، ومتى تقول لنفسك: لقد حان الوقت لأعتني بك.
قال الله تعالى:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۝ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ۝ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 7–9].
وهنا نتأمل معنى عظيمًا؛ فالنفس تحتاج إلى تزكية، والوعي بها لا يعني تصديق كل ما تقوله، وإنما فهمها وتهذيبها والتمييز بين ما يقودنا إلى الخير وما تقوده المخاوف والجراح القديمة.
ليس كل ما نتمسك به خيرًا لنا، وليس كل ما نفقده خسارة، وليس كل طريق نغادره هزيمة.
أحيانًا يكون أعظم انتصار أن تعود إلى نفسك بعد سنوات من تجاهلها، وأن تعترف بمشاعرك دون أن تسمح لها بقيادة حياتك وحدها، وأن تختار سلامك دون ظلم أحد.
اجلس مع نفسك واسألها:
ماذا أحاول أن أخفي خلف ابتسامتي؟ ما الشيء الذي أحتاج إلى تغييره وأؤجله خوفًا؟ هل قراراتي نابعة من قيمي وإيماني، أم من خوفي من أحكام الآخرين؟ ومتى كانت آخر مرة استمعت فيها إلى احتياجاتي بمحبة ورحمة؟
ثم تذكر أن الطمأنينة الحقيقية لا تأتي من مطاردة الإشارات الغامضة، بل من صدق الصلة بالله، ووضوح البصيرة، وحسن الاختيار، والأخذ بالأسباب.
قال تعالى:

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].

وفي الختام… حين نعود إلى أنفسنا
لا تجعل ضجيج العالم يسرق منك صوت الحكمة في داخلك، ولا تجعل خوفك من التغيير يحرمك من حياة أكثر اتزانًا.
استمع إلى نفسك، وراجع مشاعرك، وامنح جسدك الراحة، وقلبك الرحمة، وعقلك فرصة للتفكير، وروحك غذاءها من الإيمان والذكر.
فربما لا تحتاج اليوم إلى بداية جديدة مع العالم، بقدر ما تحتاج إلى مصالحة صادقة مع ذاتك.
وأجمل ما قد تصل إليه في رحلة الوعي أن تقول: لم أعد أتجاهل نفسي لأرضي الآخرين، ولم أعد أخاف من الإصغاء إلى داخلي، فقد تعلمت أن أحب ذاتي دون أن أتبع كل مخاوفي، وأن أثق بالله دون أن أتخلى عن مسؤوليتي في الاختيار.
التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل.