بقلم- شموخ الحربي
لم يخطر لنا يومًا، ونحن نروي مواقفنا للآخرين، أننا قد نكون الشخص الذي يتمنى أحدهم ألّا يلتقيه مرة أخرى. نروي الحكاية من بدايتها، نختار الكلمات التي تنصفنا، ونشرح الظروف التي دفعتنا إلى ما فعلنا، ثم نصل إلى النهاية ونحن مقتنعون بأننا لم نكن مخطئين تمامًا. لكن ماذا لو كانت هناك رواية أخرى للموقف نفسه، يرويها شخص آخر، ويرانا فيها بصورة مختلفة تمامًا؟
الفكرة ليست مريحة، وربما لهذا السبب لا نفكر فيها كثيرًا.
نحن نعرف ما قصدناه حين تكلمنا، ونعرف الأسباب التي جعلتنا ننسحب أو نغضب أو نتوقف عن السؤال. نعرف ما أخفيناه من ألم، وما اضطررنا إلى احتماله بصمت، ولذلك يسهل علينا أن نتفهم أنفسنا. لكننا لا نملك الامتياز نفسه حين يتعلق الأمر بالآخرين؛ فنحن نرى تصرفاتهم، ولا نعرف دائمًا ما سبقها، ونسمع كلماتهم، ولا نعرف بالضرورة ما عجزوا عن قوله.
قد ننسحب من حياة شخص لأننا شعرنا بأنه لم يعد يهتم، بينما يروي هو الحكاية بأنه حاول الاقتراب منا مرات كثيرة، ولم يجد استجابة. وقد نرى في صمت أحدهم تجاهلًا، في حين أنه كان ينتظر منا سؤالًا واحدًا يطمئنه إلى أن وجوده ما زال يعني لنا شيئًا. وفي خلافات كثيرة، لا يكون أحد الطرفين كاذبًا بالضرورة؛ بل قد يكون كل منهما صادقًا في وصف ما شعر به، لكنه لا يرى إلا الجزء الذي عاشه بنفسه.
وهنا تكمن المشكلة: أننا نميل إلى التعامل مع روايتنا بوصفها الحقيقة كاملة، لا بوصفها تجربة رأيناها من زاوية واحدة.
ولعل أكثر ما يجعل العلاقات الإنسانية معقدة أن الإنسان لا يؤذي الآخرين دائمًا وهو يريد إيذاءهم. أحيانًا يقول كلمة عابرة وينساها، بينما تبقى في ذاكرة شخص آخر سنوات. وقد يتأخر في السؤال لأنه منشغل بحياته، ولا يدرك أن الطرف الآخر كان يعدّ الأيام منتظرًا اهتمامه. وربما يعتقد أنه لم يفعل شيئًا يستحق العتاب، لأن ما حدث بالنسبة إليه بسيط، لكنه لا يعرف كيف بدا الأمر في قلب من تلقاه.
فهل تكفي النية الطيبة حتى نعفي أنفسنا من أثر تصرفاتنا؟
لا أظن أن الأمر بهذه البساطة. فحسن النية مهم، لكنه لا يمحو الأثر تلقائيًا، كما أن الألم الذي نشعر به لا يمنحنا دائمًا الحق في الحكم على نيات الآخرين. وبين هذين الأمرين مساحة واسعة نحتاج فيها إلى الإنصاف؛ أن نعترف بما شعرنا به دون أن نجزم بأننا نعرف كل ما شعر به الطرف الآخر، وأن نتحمل مسؤولية أخطائنا دون أن نحمل أنفسنا مسؤولية كل ما حدث.
وليس المقصود أن نعيش في قلق دائم من احتمال أن نكون قد أسأنا إلى أحد، أو أن نراجع كل موقف مرّ بنا حتى نفقد القدرة على التصرف بعفوية. لكن من المهم أن نتوقف أحيانًا عند أحكامنا، خصوصًا تلك التي نصدرها بثقة كبيرة. فقد نكون قد فهمنا الموقف على نحو خاطئ، وقد يكون ما اعتبرناه قسوة ناتجًا عن عجز لم نعرفه، وقد يكون ما حسبناه تجاهلًا نتيجة ظروف لم يخبرنا بها أحد.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول فهم ظروف الآخرين إلى مبرر دائم للأذى. فليس مطلوبًا منا أن نقبل كل تصرف، أو أن نبقى في علاقة تستنزفنا بحجة أن للطرف الآخر أسبابه. هناك فرق بين أن نفهم الإنسان وأن نوافقه، وبين أن نعذره وأن نسمح له بتكرار ما يؤذينا. الإنصاف لا يعني إلغاء حقوقنا، بل يعني ألّا نجعل ألمنا دليلًا كافيًا على أن الطرف الآخر مخطئ في كل شيء.
وربما لهذا السبب نحتاج إلى شجاعة من نوع مختلف؛ شجاعة أن نسأل أنفسنا، بعد كل خلاف، عمّا فعلناه نحن، لا أن ننشغل فقط بما فعله الآخر. أن نفكر في الكلمة التي كان يمكن ألّا نقولها، وفي الاعتذار الذي تأخرنا فيه، وفي الموقف الذي تمسكنا فيه برأينا لأن التراجع كان أصعب علينا من خسارة العلاقة.
فليس كل اعتذار اعترافًا بأننا وحدنا المخطئون، وليس كل اختلاف يحتاج إلى منتصر ومهزوم. أحيانًا يكفي أن ندرك أن للطرف الآخر تجربة تستحق أن تُسمع، حتى لو لم نتفق مع تفسيره لما حدث.
وقد لا نعرف أبدًا كيف يروي الآخرون قصصنا بعد أن نفترق، ولا الصورة التي بقيت عنا في ذاكرتهم. لكننا نستطيع، على الأقل، ألّا نكتفي بالرواية التي تجعلنا أبرياء في كل مرة. فالنضج لا يعني أن نشك في أنفسنا دائمًا، وإنما أن نترك احتمال الخطأ مفتوحًا، حتى حين تكون لدينا أسباب كثيرة لتبرير مواقفنا.
في النهاية، لكل إنسان حكاية يرويها عن نفسه، وغالبًا ما يعرف تفاصيلها أكثر من أي شخص آخر. لكن هناك حكايات موازية لا نسمعها، وذكريات مشتركة لم تترك الأثر نفسه في الطرفين، ومواقف نعتقد أننا تجاوزناها منذ زمن، بينما لا يزال شخص آخر يحاول فهمها.
وربما لا نحتاج إلى أن نكون أبطالًا في روايات الجميع، فهذا أمر لا يمكن تحقيقه، بقدر ما نحتاج ألّا نكون أسرى روايتنا وحدها.
فهل نملك الشجاعة لنقرأ أنفسنا كما قد يرانا الآخرون، أم أننا نفضّل البقاء أبطالًا في حكايات نعرف كيف نرويها، ونتجنب الصفحات التي قد تكشف لنا أننا أخطأنا؟