الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٠ سبتمبر-٢٠٢٦       3740

بقلم: ريماس الصينية – صحفية في CGTN العربية

ما هي المسيرة الطويلة؟

في أكتوبر عام 1934، انطلقت قوة عسكرية صينية قوامها نحو 86 ألف شخص من جنوب مقاطعة جيانغشي، وبدأت رحلة طويلة وشاقة. لم يكونوا يريدون الذهاب إلى مكان بعيد، بل اضطروا إلى الرحيل بعدما وجدوا أنفسهم محاصرين من قبل قوات معادية. ساروا بأقدامهم، وارتدوا الأحذية المصنوعة من القش، وعبروا الجبال والأنهار، واجتازوا المروج، وتسلقوا الجبال الثلجية.

واستمرت هذه المسيرة عامين كاملين.

وخلال عامين، قطعت هذه القوة مسافة بلغت 25 ألف لي صيني (نحو 12500 كيلومتر)، أي ما يقارب المسافة من القاهرة إلى بكين ثم العودة إليها. وعبرت 15 مقاطعة، واجتازت نحو مئة نهر، وتسلق أفرادها أكثر من 40 جبلا، بينها أكثر من 20 جبلا مغطى بالثلوج يتجاوز ارتفاعها 4000 متر. وخاضوا أكثر من 600 معركة، أي بمعدل معركة واحدة كل ثلاثة أيام تقريبا. أما الأراضي العشبية التي مروا بها، فكانت تعرف باسم "مصيدة الموت"، والعديد من الذين تسلقوا الجبال الثلجية لم يعودوا منها أبدا.

وفي أكتوبر عام 1936، وصلت هذه القوة إلى مدينة هوي نينغ في مقاطعة قانسو شمال غربي الصين، حيث التقت بقوتين أخريين كانتا قد خاضتا المسيرة الطويلة أيضا. كان عدد المشاركين في المسيرة أكثر من 200 ألف شخص عند انطلاقهم، ولم يصل إلى النهاية سوى أكثر من 30 ألفا بقليل.

أي أن مقاتلا واحدا من الجيش الأحمر كان يسقط في المتوسط كل 300 متر.

هذه هي المسيرة الطويلة.

ما وراء الأرقام

الأرقام وحدها صادمة بما يكفي، لكن ما جعل المسيرة الطويلة رمزا روحيا للصينيين ليس الأرقام بحد ذاتها، بل ما حدث خلف هذه الأرقام.

كان متوسط أعمار أفراد هذه القوة نحو 20 عاما فقط، أي في عمر قريب من طلاب الجامعات اليوم. لم تكن بحوزتهم أسلحة متطورة، وكان لديهم في المتوسط أكثر بقليل من 40 بندقية لكل مئة شخص، وأقل من 60 طلقة لكل بندقية. وكانوا يواجهون عدوا يفوقهم عددا بعشرات المرات، ويتمتع بتجهيزات أفضل وإمدادات أكثر. ومع ذلك، لم يتوقفوا.

كانت الجبال الثلجية التي عبرها كثير منهم تمثل تحديا حتى للمتسلقين المجهزين اليوم. أما المروج التي اجتازوها، فكانت مليئة بالمستنقعات، وكان من السهل أن يغوص الشخص فيها عند أقل خطأ. لم يكن لديهم ما يكفي من الطعام، فأكلوا لحاء الأشجار وجذورها. ولم تكن لديهم ملابس كافية، فساروا في درجات حرارة تحت الصفر وهم يرتدون ملابس خفيفة.

لكنهم أكملوا المسيرة.

ووصف ماو تسي تونغ المسيرة الطويلة لاحقا بقوله: "المسيرة الطويلة بيان، وفريق دعاية، وبذور". كانت بيانا لأنها أعلنت للعالم وجود هذه القوة، وكانت فريق دعاية لأنها نقلت معتقداتها وأفكارها وهي تسير من مكان إلى آخر، وكانت بذورا لأنها تركت في كل مكان وصلت إليه بذورا في قلوب الناس. وما الذي نبت من تلك البذور لاحقا؟ تلك قصة أخرى أطول.

الصين التي تحمل اسم "المسيرة الطويلة"

كان تأثير المسيرة الطويلة على الصين أعمق بكثير من كونها مجرد حدث تاريخي، حتى إنها تسربت إلى تفاصيل ملموسة في هذا البلد.

لدى الصين سلسلة من الصواريخ الحاملة تحمل اسم "المسيرة الطويلة". ففي عام 1965، بدأ تطوير أول صاروخ من هذه السلسلة. ويتذكر أحد المصممين لاحقا أن أحدهم اقترح يوم اختيار اسم الصاروخ: "أليست المسيرة الطويلة التي خضناها هي رحلة بدأت من الصفر ووصلت إلى النصر؟ وهذا الصاروخ كذلك، يبدأ من لا شيء ليصل إلى الفضاء". وهكذا حملت الصواريخ الصينية اسم "المسيرة الطويلة"، حاملة معها أثر تلك الرحلة إلى الفضاء.

وحتى اليوم، نفذت صواريخ سلسلة "المسيرة الطويلة" ما يقرب من 500 عملية إطلاق ناجحة. ومن الصاروخ الأول إلى الحادي عشر، ومن أول قمر صناعي صيني إلى استكشاف المريخ وجلب عينات من القمر وبناء محطة الفضاء الصينية، كانت كل خطوة قطعتها الصين في طريقها إلى الفضاء تعتمد على صواريخ "المسيرة الطويلة". لقد قطع شعب بأكمله أطول الطرق على الأرض، ثم كتب اسم ذلك الطريق في السماء.

وليس الصواريخ وحدها. عندما طورت الصين أول غواصة نووية محلية الصنع، أطلقت عليها اسم "المسيرة الطويلة الأولى". كما حملت العديد من المشروعات الكبرى في الصين خلال مراحلها الأولى اسم "المسيرة الطويلة". وأصبح الاسم رمزا لإصرار أمة على عدم التخلي عن خوض أصعب المهام حتى في أصعب الظروف.

وهذا يوضح المكانة التي تحتلها المسيرة الطويلة في الثقافة الصينية. فهي ليست حدثا تاريخيا وضع في متحف، بل مورد معنوي ما زال حاضرا ويستخدم حتى اليوم.

طريق واحد وأمة واحدة

إذا سألت صينيا اليوم عما تعنيه المسيرة الطويلة بالنسبة إليه، فقد يقول: إن مسيرة الصين التنموية هي أيضا نوع من المسيرة الطويلة.

عندما تأسست جمهورية الصين الشعبية عام 1949، كان البلد يعاني الفقر والتخلف، وكان متوسط العمر المتوقع أقل من 40 عاما، بينما تجاوزت نسبة الأمية 80%. وبعد أكثر من ثلاثة أرباع القرن، أصبحت الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأنشأت أكثر شبكات البنية التحتية تكاملا في العالم. لقد استغرقت هذه العملية أكثر من سبعين عاما، قطعت خلالها الصين طريقا طويلا وتغلبت على الكثير من الصعوبات.

ومكافحة الفقر مثال آخر على هذه "المسيرة الطويلة". ففي عام 2012، كان هناك نحو 100 مليون شخص من سكان الريف يعيشون تحت خط الفقر في الصين. وبعد ثمانية أعوام، أصبح الرقم صفرا. فدولة يبلغ عدد سكانها 1.4 مليار نسمة تمكنت خلال جيل واحد من القضاء على الفقر المدقع من خريطتها. وهذا بحد ذاته كان مسيرة طويلة.

أما أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية، فهي أيضا "مسيرة طويلة" لا تزال مستمرة. فهذا المجال يتمتع بحواجز تقنية شديدة الارتفاع، وقد راكمت الدول الرائدة فيه خبرات تمتد لعقود. لكن الصين عازمة على أن تستخدم عشر سنوات أو عشرين أو ثلاثين عاما، خطوة بعد أخرى، للحاق بالركب. لا أحد يعرف على وجه الدقة كم سيستغرق ذلك، لكن الاتجاه واضح.

من الدولة إلى الفرد، ومن التكنولوجيا إلى حياة الناس، يخوض الصينيون اليوم مسيراتهم الطويلة الخاصة. قد تكون العملية بطيئة وشاقة، لكنها لن تتوقف.

ولعل هذا هو أعمق أثر تركته المسيرة الطويلة في الوعي الصيني: أنها جعلت أمة تؤمن بأن أبعد الطرق يمكن قطعها، وأن أصعب المهام يمكن إنجازها. ما دام كل تقدم، مهما كان صغيرا، له معنى، وما دام الاتجاه صحيحا، وما دام المرء يواصل السير إلى الأمام.

الطريق ما زال يمتد إلى الأمام. تغير الذين يسيرون فيه، لكن معنى المسير لم يتغير.