الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٠ سبتمبر-٢٠٢٦       6545

بقلم:  مريم عرجون  _ الكاتبة جزائرية

أبى القلمُ أن يبدأ وحروفي مرتابةٌ، لا صرفَ لها يُقيمها، ولا بناءَ يشدُّ أزرها، ولا نحو يرد عنها العثار، وكيف لشحيحِ الحرف أن يكتب نثرًا، أو ينظم شعرًا، أو يفتح للحبِّ بابًا؟
فلقد خانني الحرفُ، إذ رام وصفَ مقامٍ يضيق عن الوصف فيه البيان، وتاه القريضُ بزحمته، فما عاد للحبر فيه لسان، ولكن أأكتب شعرًا، أم أفتح للقصيدة ديوانًا عن وطنٍ يتوشّح الفجر، وتفوح من ترابه رائحة التاريخ، واغترف من عطر العروبة أصفى التحايا وأكرمها، حتى توّجته حضارةُ الإسلام تاجًا على جبين الزمان؟
ومن أرض الحجاز حيث تنام الرمال على صدر الجزيرة، وتستيقظ السماء على همس الأذان، أشرقت في السعودية قناديلُ من نور، حتى أطلّ ذلك النور عند أعتاب مكة، واستراح في رحاب المدينة.
هناك عند مكة، قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، أناخت القوافل رحالها من كل فجٍّ عميق، تتوحّد الوجوه في صلاة واحدة، وتذوب الأرواح في بحر التوحيد، فلا يبقى إلا عبدٌ وربٌّ، ودعاءٌ ورجاء.
وفي المدينة المنورة فردوسٌ يلتحف السكينة، وفي ترابها ذكرى تمشي مع الخطى، وفي هوائها طِيبٌ من طِيبِ النبوّة، وسكينةٌ لو مسّت قلبًا كَلِفًا لأذهبَتْ عنه وَجْدَه.
وبيوتها المشيّدة من طين نجد وحجر عسير وخشب الحجاز ليست حجرًا صامتًا، بل شواهدُ حضارةٍ عريقةٍ أودعت في عمرانها ذاكرةَ الجزيرة، أما الراية الخضراء، فتظل في عين الوطن شاهدًا على هويةٍ اجتمع فيها المجد والجذر والعقيدة.
فمن ذا يطلبُ وصفَ أرضٍ اجتمعَ لها مجدُ العربِ وقداسةُ المقام؟
ثم تمضي الحكاية من قداسة المكان إلى سيرة الوطن، ففي الثالث والعشرين من سبتمبر عام 1932، اجتمعت أجزاء البلاد تحت اسم المملكة العربية السعودية على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، فغدا ذلك اليوم ذاكرةً وطنية تشكّل فيها الوطن من إرادة الوحدة، وانتقل من أقاليم متفرقة إلى كيان واحد، تجمع أبناءَه رايةٌ واحدة واسمٌ واحد.
ولهذا يعود اليوم الوطني السعودي كل عام لا بوصفه تاريخًا يُعلَّق على جدار الذاكرة، بل بوصفه معنى تستحضره الأجيال، معنى الوحدة، والهوية، والانتماء، ففيه يستعيد الوطن صورته في وجدان أبنائه، وتستعيد الراية معناها، ويصبح الماضي سندًا للحاضر، والحاضر جسرًا إلى المستقبل.
ويحتفل السعوديون بهذا اليوم لأن الوطن، في وجدان أبنائه، ليس أرضًا يسكنون فوقها فحسب، بل أرضٌ تسكن فيهم، ولأن الوحدة ليست صفحةً أُغلقت بانتهاء التاريخ، وإنما معنى يتجدّد في الذاكرة والوجدان.
وفي يومها الوطني، تمضي السعودية بين قداسة مكة وطيب المدينة، وبين ذاكرة الجزيرة وأفق المستقبل، تحمل في اسمها وطنًا، وفي ترابها تاريخًا، وفي رايتها هويةً، وفي قلوب أبنائها عهدًا.
سلامٌ على أرضٍ لها في مَواطنِ العزِّ مَقامُها، وفي صدرِها من مآثرِ الدهرِ ما يعيا به الأقلامُ، أرضٌ إذا ذُكرتْ أفاقَ من مَضجعِ التاريخِ مجدٌ، وإن أقبلتْ على الذكرى أضاءتْ لها من سالفِ الدهرِ أعلامُها.
ما أحببتُ منها مدينةً دون مدينة، ولا آثرتُ من أديمِها موضعًا على موضع، ولكنّي هِمتُ ببلادٍ فسيحةِ الجَناب، راسخةِ الأصل، اجتمع في أديمِها شرفُ المآثر، ثم جاءت مكّةُ فرفعتْ لها في أفئدةِ المسلمين لواءَ القداسة، وأقبلتِ المدينةُ فزادتها من شرفِ الذكرِ وشاحًا، فإن كان للحبِّ دارٌ لا تُحَدُّ بتخوم، فهذه دارٌ من دياره، وإن كان للقصيدِ مقامٌ تكلُّ دونه الأقلام فهنا مقامُه، فهي دارٌ من ديارِ الحب، ومقامٌ من مقاماتِ القصيد، لتظل السعوديةُ مقامُ الإحسان.