بقلم- ثامر الشهراني
في الأخبار المرتبطة بأمن الدول والمنشآت الحيوية، لا تكفي سرعة الوصول إلى المعلومة، بل يصبح التحقق منها جوهر المسؤولية المهنية.
بدأت القصة مع «رويترز»، التي نقلت عن شاهد عيان مشاهدته ألسنة لهب وعموداً من الدخان الأسود قرب مطار الملك خالد الدولي بالرياض، مع الإشارة إلى أن السبب لم يكن واضحاً في ذلك الوقت.
لكن الرواية سرعان ما اتسعت، وانتقلت إلى عشرات وسائل الإعلام والمنصات، بينها «الجزيرة»، و«سكاي نيوز عربية»، و«التلفزيون العربي»، و«العربي الجديد»، و«المصري اليوم»، و«مصراوي»، و«السومرية نيوز»، و«نبض»، و«يورونيوز العربية»، و«سويس إنفو العربية»، و«شفقنا»، و«الوسط الليبية»، و«الميادين»، و«النيل للأخبار»، و«الوفد»، و«جريدة المال»، و«البوابة نيوز»، و«الغد الأردنية»، و«روسيا اليوم»، و«بلقيس»، و«عربي21»، و«يمني برس»، و«الرؤية العمانية»، و«المسيرة»، و«سيناء نيوز»، و«اليقين أونلاين»، و«صحيفة بحر العرب»، و«نيويورك نيوز»، و«نيوز روم».
وامتد التداول إلى منصات ووسائل إعلام دولية، بينها «ABC News Australia»، و«GMA News»، و«CNA»، و«KSL»، و«GV Wire»، و«The Week»، و«Indian Express»، و«Moneycontrol»، و«Dawn»، و«The Hindu»، و«Wall Street Journal»، و«The Straits Times»، و«The Economic Times»، و«Internazionale»، و«Al-Monitor»، و «Investing»، و«MarketScreener»، و«Yahoo News»، و«AOL»، و«Devdiscourse»، و«KFGO»، و«WMBD»، و«SRN News»، و«Times of Israel»، و«The Daily Star»، و«BERNAMA»، و«DW» وغيرها.
المشكلة هنا ليست في كثرة من نقل الخبر، وإنما في كيفية تطور الرواية أثناء انتقالها. فبعض المؤسسات أعادت نشر مادة «رويترز» مباشرة، بينما تناولتها أخرى إلى جانب مصادر مختلفة، ثم ظهرت عناوين تتحدث عن اضطراب حركة الطيران أو تأخر الرحلات، فيما ذهبت بعض التغطيات إلى الربط بين المشهد وخزانات وقود أو هجوم محتمل.
وهنا يجب التفريق بين ما شوهد، وما استُنتج، وما ثبت لاحقاً.
فمشاهدة دخان ولهب قرب المطار لا تعني بالضرورة أن المطار نفسه تعرض للاستهداف، وورود معلومات عن اضطراب بعض الرحلات لا يكفي وحده لإثبات أن سببه هجوم، كما أن الرواية المنقولة عن شاهد تحتاج إلى تحقق مستقل، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنشأة حيوية.
ومع ظهور المعطيات الرسمية والتغطية السعودية اللاحقة، التي أكدت انسيابية حركة الطيران بالمطار، أصبح من الضروري العودة إلى السؤال الأساسي: أين انتهت المعلومة الموثقة، وأين بدأت الاستنتاجات؟
وعليه، فإن القضية لا تتعلق بخصومة مع «رويترز»، ولا بإدانة كل وسيلة أعادت النشر، وإنما باختبار قاعدة مهنية بسيطة: هل نُقلت المعلومة كما ثبتت، أم كما فُهمت؟
فاسم المؤسسة الإعلامية، مهما كانت شهرتها، لا يمكن أن يكون بديلاً عن التحقق. وكثرة الناقلين لا تحول رواية واحدة إلى حقائق متعددة.
ويبقى السؤال الأهم: عندما تتناقل عشرات المؤسسات رواية واحدة قبل اكتمال التحقق، هل كانت غرف الأخبار تتحقق فعلاً من كل طبقة في الرواية، أم أصبح اسم «رويترز» بديلاً عن أبسط قواعد التدقيق الصحفي؟