بقلم ـ عبد المحسن محمد الحارثي
ليس اليمن بلداً فقيراً؛ بل بلدٌ أُرهق حتى بدا فقيراً.
أرهقته الحروب، واستنزفته الانقسامات، وأخذت منه الصراعات أكثر مما أعطته السياسة.
وبينما كان تاريخه يحدّثه عن الحضارة ؛ كانت واقعه يطالبه كل يومٍ بأن يدفع ثمن التأخر.
والمفارقة أن اليمن يملك كثيراً من عناصر النهوض: إنساناً واسع الحيلة، وأرضاً خصبة، وجبالاً وسهولاً وسواحل، وموقعاً لا يُستهان به، وذاكرةً حضارية قادرة على أن تصنع سياحةً وثقافةً واقتصاداً.
لكن الموارد وحدها لا تصنع دولة؛ فالنفط يمكن أن ينفد، والأرض يمكن أن تُهمل، أما الإنسان الواعي فهو المورد الذي يُجدد كل مورد.
قال أرسطو : "إن الإنسان مدنيٌّ بطبعه" أي إن حياته لا تستقيم في العزلة، بل في مجتمعٍ يتعاون على الخير العام.
وهنا تبدأ الحكاية اليمنية: قبل أن يُعاد بناء الميناء والطريق والمصنع ؛ لا بد أن تُبنى في الإنسان فكرةُ الوطن ، وطنٌ يتقدم على القبيلة والحزب والمنطقة، ويعلو على الحسابات الضيقة والمكاسب المؤقتة.
في كل بيت يمني مغترب، وفي كل مغترب حكايةُ أمٍّ تنتظر، وأسرةٍ تتكئ على حوالة، ووطنٍ يحضر في القلب ولو غاب عن العين.
وهذا الاغتراب ليس علامة ضعف، بل قوةٌ معطلة إن بقيت في حدود الإنفاق اليومي.
فاليمني في الخارج يحمل خبرةً وعلاقاتٍ ومعرفةً بأسواق العالم ، وحين تُفتح له نافذة آمنة للاستثمار، وتُصان حقوقه، ويُشرك في التنمية ؛ يتحول من مُرسلِ حوالة إلى شريكٍ في صناعة الفرصة.
لا يحتاج اليمن إلى أن يستورد روح النهضة؛ فهي كامنة في أهله.
يحتاج فقط إلى أن تتحول ثقافة النجاة الفردية إلى ثقافة بناءٍ جماعي: أن تُوجَّه حوالات المغتربين إلى تعليم الأبناء، ومشاريع الأسر، والقرى المنتجة، والزراعة الحديثة؛ وأن يصبح العمل قيمةً اجتماعية، والنظام ضمانةً للجميع، والكفاءة طريقاً للفرصة.
وقد لخّص ماركوس أوريليوس المعنى بقوله: «ما لا يصلح للخلية لا يصلح للنحلة».
فما يربح منه فردٌ اليوم على حساب اليمن ؛ ستدفع كلفته الأسرة اليمنية غداً. وما يضر مدرسةً أو مزرعةً أو طريقاً أو مؤسسة ؛ لا يخص منطقةً بعينها؛ بل يخص مستقبل وطنٍ بأكمله.
واليمن قادرٌ على أن يجعل من الزراعة صناعةً، ومن الصناعة تجارةً، ومن التجارة حياةً للموانئ والأسواق والقرى. وقادرٌ على أن يستثمر تنوعه في سياحةٍ جبلية وبحرية وثقافية، وأن يبني اقتصاداً دائرياً يُحسن استثمار الماء والأرض والمنتج المحلي ؛ فلا تبقى موارده خاماً ينتظر من يأخذه، بل قيمةً يصنعها أبناؤه.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾. وعمارة اليمن لا تبدأ من خطابٍ سياسي، بل من طفلٍ يتعلم، ومزارعٍ يُمكَّن، ومغتربٍ يُستثمر، ومواطنٍ يؤمن أن حماية الوطن تبدأ من حماية ضميره.
فإذا توحّد الإنسان على معنى اليمن ؛ لم يعد الوطن حلماً يرسله المغترب في حوالة؛ بل مستقبلاً يعود إليه الجميع.