الكاتب : النهار
التاريخ: ١٨ سبتمبر-٢٠٢٦       3685

بقلم ـ عيسى المزمومي

ليست السنوات في عمر الأوطان مجرد أرقامٍ تتعاقب على صفحات التقويم، ولا تُقاس قيمة الزمن بعدد الأيام التي انقضت، وإنما بما تركته تلك الأيام من أثرٍ في حياة الإنسان، وما أحدثته من تحولاتٍ في المكان، وما صنعته من أسئلةٍ جديدة حول المستقبل.
وحين نتأمل مسيرة المملكة العربية السعودية خلال السنوات التي أعقبت تولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود مقاليد الحكم في 23 يناير 2015م، فإننا لا نتأمل مرحلةً زمنية عابرة فحسب، بل نقف أمام تجربةٍ وطنية واسعة، امتزج فيها ثبات الدولة بسرعة التحول، والتاريخ العريق برؤية المستقبل.
ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال عن القيادة أن أثرها لا يُرى دائمًا في اللحظة التي تبدأ فيها القرارات، بل يظهر بعد سنوات، حين تتحول الفكرة إلى مشروع، والمشروع إلى واقع، والواقع إلى ثقافةٍ جديدة في حياة المجتمع.
وهنا تكمن فلسفة التحول.
فالأوطان لا تتغير لأنها أنفقت أموالًا أكثر، ولا لأنها شيدت مباني أعلى، وإنما تتغير عندما تتغير طريقة التفكير في الإنسان والمكان والمستقبل.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة السنوات الاثنتي عشرة من عهد الملك سلمان باعتبارها مرحلةً من إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمستقبل؛ مرحلة لم تعد التنمية فيها مجرد إنشاء مشروع جديد، بل أصبحت محاولة لبناء نموذجٍ أكثر تنوعًا في الاقتصاد، وأكثر حيوية في المجتمع، وأكثر قدرة على التعامل مع عالمٍ سريع التغير.
وحين أُعلنت رؤية السعودية 2030 م عام 2016 م، لم تكن الفكرة مجرد برنامج اقتصادي أو قائمة أهدافٍ ومؤشرات، وإنما جاءت بوصفها تصورًا واسعًا لمستقبل المملكة، يقوم على ثلاثة محاور مترابطة: مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح.
والفكرة هنا أعمق من الأرقام! 
فحين يصبح المستقبل جزءًا من خطاب الدولة، فإن المجتمع يبدأ في النظر إلى الحاضر بطريقة مختلفة؛ لأن الإنسان لا يعود يعيش يومه منفصلًا عن غده، وإنما يصبح شريكًا في صناعة ذلك الغد.
ولذلك فإن التحول الحقيقي لا يحدث في الطرق والمطارات والمدن والمشروعات وحدها، بل يحدث أولًا في وعي الإنسان.
لقد شهدت المملكة خلال هذه المرحلة تحولات واسعة في قطاعات الاقتصاد والخدمات الحكومية والسياحة والثقافة والترفيه والاستثمار، إلى جانب توسع دور القطاع الخاص وتطوير قطاعات جديدة، في إطار برامج ومبادرات مرتبطة برؤية 2030. وتشير الوثائق الرسمية للرؤية إلى أن التحول استهدف تنويع الاقتصاد، وتحسين بيئة الأعمال، ورفع كفاءة الخدمات الحكومية، وخلق فرص أوسع أمام المجتمع.
لكن التاريخ لا يقرأ الإنجازات بمعزل عن الإنسان.
فالطريق الذي يُعبّد اليوم ليس غايته الطريق نفسه، والمطار الذي يُبنى ليس غايته مدرجاته، والجامعة ليست جدرانًا وقاعات، والمستشفى ليس أسرّة وأجهزة.
كل هذه الأشياء تصبح ذات معنى عندما تنتهي إلى الإنسان.
وهنا يصبح السؤال الفلسفي الأهم:
ماذا فعلت التنمية بالإنسان؟! 
إذا جعلته أكثر ثقة بمستقبله، وأكثر قدرة على المشاركة، وأكثر وعيًا بواجباته وحقوقه، فإن التنمية تكون قد تجاوزت حدود العمران إلى بناء الإنسان.
ومن اللافت في التجربة السعودية الحديثة أن التحول لم يأتِ منفصلًا عن تاريخ المملكة، بل حاول الجمع بين المحافظة على الهوية والانفتاح على العالم. وهذه معادلة ليست سهلة؛ لأن الأمم التي تنفتح بلا وعي قد تفقد شيئًا من خصوصيتها، والأمم التي تنغلق على ذاتها قد تجد نفسها خارج حركة التاريخ.
أما التحدي الحقيقي فهو أن تعرف كيف تنفتح دون أن تفقد ذاتك، وكيف تتقدم دون أن تنسى جذورك.
وهذا ما يجعل الحديث عن الملك سلمان حديثًا يتجاوز شخص الحاكم إلى معنى أوسع يتعلق باستمرارية الدولة.
فالملك الذي أمضى أكثر من خمسين عامًا أميرًا لمنطقة الرياض، قبل أن يتولى قيادة المملكة، حمل معه إلى الحكم خبرة عقود طويلة في إدارة شؤون العاصمة ومتابعة تفاصيل نموها وتحولها.
وربما لهذا تبدو الرياض في التجربة السعودية الحديثة أكثر من مدينة تتوسع؛ إنها شاهد على فلسفة كاملة تقول إن المدن تشبه الإنسان: تكبر، وتتغير، وتتسع أحلامها، لكنها تظل محتفظة بذاكرتها.
وفي مسيرة الدول، هناك فرق بين أن تتغير الدولة لأن الزمن أجبرها على ذلك، وأن تتغير لأنها اختارت أن تكون شريكة في صناعة المستقبل.
والتحولات التي ارتبطت برؤية 2030 م قدمت نموذجًا على انتقال التخطيط من رد الفعل إلى استشراف المستقبل، ومن الاعتماد على مورد واحد إلى محاولة بناء اقتصاد أكثر تنوعًا. وقد جعلت الرؤية تنويع مصادر الدخل، وتطوير الاستثمار، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتحسين جودة الحياة، من بين مساراتها الأساسية.
وهنا تظهر قيمة أخرى للقيادة: أن تمنح المجتمع القدرة على تخيل ما لم يكن موجودًا بعد.
فالمجتمع الذي لا يستطيع تخيل مستقبله يبقى أسير حاضره، أما المجتمع الذي يملك رؤية واضحة، فإنه يبدأ في التعامل مع المستقبل باعتباره مشروعًا يمكن العمل من أجله، لا قدرًا مجهولًا ينتظر الوصول.
ولذلك فإن السنوات الاثنتي عشرة التي تقترب المملكة من إكمالها منذ مبايعة الملك سلمان يمكن النظر إليها بوصفها سنواتٍ من التحول المتدرج، لا باعتبارها مجرد قائمةٍ طويلة من المشروعات.
فالإنجاز الحقيقي ليس في كثرة ما نعدّه، وإنما في مقدار ما تغيّر.
والمملكة اليوم ليست المملكة نفسها التي كانت في عام 2015؛ فقد تبدلت قطاعات، وتوسعت مجالات الاستثمار، وتسارعت الخدمات الرقمية، وظهرت قطاعات جديدة، وأصبح الحديث عن الاقتصاد غير النفطي والاستثمار والسياحة والثقافة وجودة الحياة جزءًا أساسيًا من المشهد الوطني. وتصف الوثائق الرسمية رؤية 2030 بأنها مسار للتحول الاقتصادي والاجتماعي والإداري، مع استمرار تنفيذ برامجها حتى 2030م. 
ومع ذلك، فإن أعظم ما في قصة التحول ليس ما تحقق فقط، بل ما يفتح الباب لما لم يتحقق بعد.
فكل إنجاز يضع أمامنا سؤالًا جديدًا. وكل طريقٍ جديد يفرض طريقًا آخر.وكل نجاحٍ حقيقي لا ينبغي أن يكون نهاية الرحلة، بل بدايةً لمسؤولية أكبر! 
لهذا فإن الحديث عن «سلمان العز» لا ينبغي أن يكون حديثًا عن الماضي وحده، بل عن قيمة الاستمرار في بناء المستقبل.
فالقيادة في معناها العميق ليست أن تصل بالدولة إلى محطة، وإنما أن تجعلها قادرة على مواصلة السير بعد كل محطة.
والملك سلمان، بما يمثله من امتدادٍ تاريخي للدولة السعودية، يقف في قلب مرحلةٍ تتقاطع فيها ذاكرة الوطن مع طموح المستقبل؛ مرحلةٍ أصبح فيها الماضي مصدرًا للهوية، والحاضر مساحةً للعمل، والمستقبل مشروعًا مفتوحًا على الاحتمالات.
إن التاريخ لا يكتب أسماء القادة بعدد الخطب التي قيلت في عهودهم، وإنما بما بقي من آثار قراراتهم في حياة الناس.
وقد تتغير المباني، وتتبدل الأرقام، وتتعاقب الأجيال، لكن ما يبقى في ذاكرة الوطن هو ذلك الأثر الذي يصنع فارقًا بين زمنٍ وزمن.
ومن هنا يمكن أن نفهم معنى السنوات الاثنتي عشرة المقبلة قبل أن نفهم معنى السنوات الاثنتي عشرة الماضية:
إنها ليست مجرد ذكرى لبيعة، بل سؤال عن وطنٍ ماذا أراد أن يكون؟ وماذا أصبح؟ وإلى أين يريد أن يذهب؟! 
وحين تكون الإجابة مشروعًا وطنيًا مستمرًا، يصبح الزمن أكثر من ساعاتٍ وأيام.
يصبح الزمن شاهدًا.
وشاهدُ الزمن لا يجامل أحدًا؛ فهو لا يتذكر إلا ما ترك أثرًا.
وفي المملكة العربية السعودية، تبدو السنوات الماضية فصلًا من حكاية وطنٍ اختار أن يقرأ المستقبل بعينٍ مفتوحة، وأن يحافظ على جذوره وهو يمد يده إلى العالم.
وهكذا يبقى سلمان العز عنوانًا لمرحلةٍ من مراحل الدولة السعودية؛ مرحلةٍ يمكن اختصار فلسفتها في معنى بسيط وعميق:
أن الوطن الذي يعرف تاريخه جيدًا، يستطيع أن يكتب مستقبله بثقة.
وما دام المستقبل لم يُكتب كاملًا بعد، فإن أجمل ما في الحكاية أن فصولها القادمة لم تبدأ بعد!