بقلم ـ شموخ نهار الحربي
في حياة كل واحد منا شخص لا يعرف إلى الآن كم غيّر فيه
شخص مرّ من هنا ذات يوم وقال كلمة عابرة ثم أكمل طريقه بينما بقيت كلمته في مكان ما داخلنا
وشخص لم يكن يعرف أننا كنا نحتاج وجوده في ذلك الوقت بالذات
لم يكن يعرف أننا كنا نمر بأيام ثقيلة وأننا كنا نخفي الكثير خلف ابتسامة عادية وربما لم يكن يعرف أن حديثه معنا في ذلك اليوم كان كافيًا لأن يجعلنا نكمل بقية الطريق
وهذا ما يجعل أثر الإنسان في حياة الإنسان شيئًا غريبًا جدًا
نحن لا نعرف دائمًا ماذا نصنع في قلوب الآخرين
قد نعتقد أن ما فعلناه بسيط جدًا ولا يستحق أن يذكر بينما يكون بالنسبة لشخص آخر موقفًا لا ينسى
قد تمد يدك لشخص تعثر دون أن تعرف أنه كان على وشك أن يسقط تمامًا
وقد تقول لأحدهم أنت تستطيع دون أن تعرف أنه كان يحتاج هذه الجملة منذ وقت طويل
وقد تؤمن بشخص في لحظة لم يكن هو نفسه قادرًا فيها على الإيمان بنفسه
ثم تمضي
تمضي وأنت لا تعرف أنك تركت خلفك شيئًا سيبقى معه سنوات
هناك أشخاص لم يدخلوا حياتنا ليبقوا فيها طويلًا ومع ذلك تركوا فيها أثرًا أكبر من أشخاص عاشوا معنا سنوات
ليس لأنهم فعلوا أشياء عظيمة
بل لأنهم حضروا في الوقت المناسب
وهذه وحدها قد تكون أعظم هدية يقدمها إنسان لإنسان
أن يأتي في الوقت الذي نحتاجه فيه دون أن يعرف أننا كنا نحتاجه
أن يجدنا في اللحظة التي كنا نبحث فيها عن سبب صغير يجعلنا نستمر
أن يقول كلمة واحدة فتتغير نظرتنا إلى أنفسنا
أن يمنحنا فرصة فنكتشف أننا كنا قادرين منذ البداية لكننا كنا نحتاج فقط إلى شخص يرى ذلك فينا
وأحيانًا يكون هذا الشخص معلمًا
معلمًا رأى في طالب شيئًا لم يره الطالب في نفسه
قال له كلمة جعلته يصدق أنه يستطيع
شجعه في يوم كان يشعر فيه أنه لا يملك ما يميزه عن غيره
وربما نسي المعلم تلك الكلمة بعد أن قالها
لكن الطالب لم ينساها
كبر وهو يحملها معه
كلما شعر أنه لا يستطيع تذكر أن هناك شخصًا آمن به يومًا
وكلما خاف من بداية جديدة تذكر أن هناك من قال له ذات يوم أنت قادر
وهناك صديق ربما لم يكن يعرف أنه كان ملجأ في وقت ما
لم يقدم حلولًا كبيرة ولم يغير العالم من أجلنا
ربما كل ما فعله أنه جلس واستمع
تركنا نتحدث دون أن يقاطعنا
لم يقل لنا إن الأمر بسيط
لم يقل لنا لا تحزن
فقط بقي
وأحيانًا كل ما يحتاجه الإنسان أن يجد شخصًا لا يطلب منه أن يكون بخير
شخصًا يسمح له أن يكون متعبًا دون أن يشعر بالخجل من تعبه
وهناك أشخاص ساعدونا في بداية طريقنا دون أن يعرفوا أن تلك المساعدة كانت نقطة تحول
فتحوا لنا بابًا
أعطونا فرصة
عرفونا على شخص
شجعونا على تجربة شيء كنا نخاف منه
وربما بالنسبة لهم كان الأمر عاديًا جدًا
أما بالنسبة لنا فقد كان بداية حياة مختلفة
لهذا لا أعتقد أن الإنسان يستطيع أن يعرف قيمة أثره الحقيقي
فنحن نرى أنفسنا من الداخل
ونرى أخطاءنا وترددنا وأيامنا العادية
لكن الآخرين يرون أحيانًا أشياء لا نستطيع رؤيتها في أنفسنا
يرون قدرتنا حين نرى عجزنا
ويرون قوتنا حين نشعر أننا ضعفاء
ويرون فينا بداية جديدة حين نكون منشغلين بنهاية قديمة
وقد يكون أجمل ما يفعله الإنسان أن يكون سببًا في أن يرى شخص آخر نفسه بشكل أفضل
لا يحتاج الأمر دائمًا إلى كلام كبير
ربما رسالة قصيرة
ربما دعوة صادقة
ربما سؤال في وقته
ربما وقفة في موقف لم يتوقعها أحد
وربما مجرد أن تقول لشخص أنا فخور بك
قد تكون هذه الجملة عادية بالنسبة لك
لكنها قد تعني الكثير لشخص قضى وقتًا طويلًا وهو يشعر أن لا أحد يرى محاولاته
نحن أحيانًا نبخل بالكلمات الجميلة وكأنها ستنقص منا
نؤجل الشكر
نؤجل الاعتذار
نؤجل قول أنا أحب وجودك
نؤجل أن نقول لشخص أنت كنت سببًا في شيء جميل حدث لي
ثم تمر الأيام
ويبتعد الناس
وتتغير الظروف
ونكتشف متأخرين أن بعض الكلام كان يستحق أن يقال في وقته
لذلك ربما علينا أن نتعلم ألا نؤجل الامتنان
إذا كان هناك شخص جعلك أفضل فأخبره
إذا كان هناك شخص وقف بجانبك فلا تجعل الأيام تجعلك تنسى ذلك
إذا كان هناك شخص آمن بك في وقت لم تؤمن فيه بنفسك فقل له إنك لم تنس
فالناس لا يعرفون دائمًا أثرهم
وربما يحتاج بعضهم أن يسمع منك أن ما فعله لم يكن عابرًا كما ظن
أن الكلمة التي قالها بقيت
أن الموقف الذي جمعكما لم يكن عاديًا بالنسبة لك
أن وجوده في مرحلة معينة من حياتك ترك شيئًا لن تستطيع السنوات محوه
وأعتقد أن أجمل العلاقات ليست دائمًا تلك التي تستمر إلى الأبد
أحيانًا تكون العلاقة جميلة لأنها جاءت في وقتها
وأعطتنا ما كنا نحتاجه ثم أخذت طريقها
ليس كل شخص يدخل حياتنا ليبقى
بعضهم يدخل ليعلمنا
وبعضهم يدخل ليقوينا
وبعضهم يدخل ليذكرنا بأن الدنيا ما زالت تحمل لنا شيئًا جميلًا
وبعضهم يدخل فقط ليترك لنا ذكرى كلما تذكرناها ابتسمنا
وقد نلتقيهم بعد سنوات ولا يكون بيننا الكثير من الكلام
لكن في داخلنا امتنان كبير لهم
لأننا نعرف أنهم كانوا جزءًا من مرحلة صنعت شيئًا من نحن عليه اليوم
وأحيانًا يكون الشخص الذي غير حياتنا لا يعرف حتى أنه فعل ذلك
وهنا تكمن أجمل صورة للأثر
أن تعطي دون أن تنتظر
أن تساعد دون أن تبحث عن التصفيق
أن تقول كلمة طيبة دون أن تنتظر مقابلها
أن تكون لطيفًا لأن اللطف يشبهك وليس لأن أحدًا يراقبك
فأنت لا تعرف ما الذي يحمله الشخص الذي أمامك
قد يبدو بخير وهو يخوض معركة لا يعرف عنها أحد
قد يضحك وهو يحتاج كلمة واحدة فقط حتى يشعر أنه ليس وحده
قد يبدو قويًا وهو في الحقيقة ينتظر من يقول له لا بأس أن تتعب
ولهذا فإن الكلمة الطيبة ليست شيئًا صغيرًا كما نعتقد
والاهتمام ليس أمرًا عابرًا
والوقوف مع شخص في وقته الصعب ليس موقفًا عاديًا
كل شيء نفعله في حياة الآخرين قد يترك أثرًا
بعض الآثار تزول سريعًا
وبعضها يبقى سنوات
وبعضها يبقى معنا حتى آخر العمر
وربما نحن أيضًا لا نعرف كم شخصًا تغيرت حياته بسببنا
ربما هناك شخص يتذكر موقفًا فعلناه ونسيه الجميع
وربما هناك شخص يتذكر أننا كنا أول من شجعه
وربما هناك من يتذكر ابتسامتنا في يوم لم يكن فيه قادرًا على الابتسام
وربما هناك من كان يحتاج منا شيئًا بسيطًا جدًا ولم نكن نعرف أننا منحناه إياه
لهذا لا تستهين بنفسك ولا بما تقدمه للآخرين
ولا تظن أن الأشياء الصغيرة لا تصنع فرقًا
فأحيانًا الشيء الصغير يأتي في الوقت الكبير
وأحيانًا كلمة واحدة تختصر على إنسان سنوات من الشك
وأحيانًا موقف واحد يعيد للإنسان ثقته بنفسه
وأحيانًا شخص واحد يجعل الحياة تبدو أقل قسوة
وفي النهاية نحن لا نعرف كيف سيذكرنا الناس
قد لا يتذكرون شكل الأيام التي عشناها معهم
ولا تفاصيل الأحاديث الطويلة
ولا الأماكن التي جلسنا فيها
لكنهم سيتذكرون كيف شعروا وهم معنا
هل شعروا بالأمان
هل شعروا أنهم مسموعون
هل شعروا أنهم مهمون
هل شعروا أنهم قادرون
وهذا هو الأثر الحقيقي
أن يمر الإنسان من حياة إنسان آخر فيترك فيها شيئًا جميلًا
أن يرحل ويبقى منه معنى
أن يغيب ويبقى منه شعور
أن تنتهي الأيام ويبقى موقف لا ينسى
فربما أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه ليس مالًا ولا شهرة ولا اسمًا يعرفه الجميع
بل قلبًا يقول بعد سنوات
كان هناك شخص جعلني أؤمن بنفسي
كان هناك شخص وقف بجانبي حين لم يقف أحد
كان هناك شخص قال لي كلمة لم أنسها
كان هناك شخص مر في حياتي دون أن يعرف أنه غيرها
وربما لهذا علينا أن نكون أكثر لطفًا
ليس لأن الجميع يستحقون ذلك فقط
بل لأننا لا نعرف أبدًا متى نكون نحن الشخص الذي سيذكره أحدهم بعد سنوات
ويقول عنه
لم يكن يعرف
لكنه غير حياتي