النهار

٠٦ أغسطس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ أغسطس-٢٠٢٦       3905

بقلم - د. غالب محمد طه
اهتز هاتفي في ساعة متأخرة من الليل. كنت قد أطفأت الضوء، ولم يبق في الغرفة سوى ذلك الصمت الذي يسبق النوم. فكرت أن أترك الرسالة إلى الصباح، لكنني تراجعت. أعرف ياسر. لا يكتب في مثل هذه الساعة إلا إذا كان يحمل شيئًا أقلقه، أو أدهشه.
كتب صديقي ياسر يقول إنه التقى، قبل ساعات، بشخص وصفه بأنه "فذ". ثم أضاف، كمن يفكر بصوت مرتفع: "الغريب أنه لا يدرك ما لديه."
دار بينهما حديث طويل، وكان أحد مقالاتي حاضرًا فيه على نحو لم أتوقعه. ومن فكرة إلى أخرى، انتهى النقاش بسؤال ظل عالقًا في ذهن ياسر، فلم يجد له جوابًا، فنقله إليّ كما ينقل المرء جمرة من يد إلى أخرى:
"هل الذكاء الاجتماعي أحد مشتقات الذكاء الاصطناعي؟"
قرأت السؤال مرة. ثم أعدت قراءته. ولم تكن الإجابة أول ما استوقفني. الذي شغلني أكثر هو السؤال نفسه. متى أصبح من الطبيعي أن يخرج مثل هذا السؤال في حديث عابر بين شخصين؟
قبل سنوات قليلة، لم يكن ذلك ليحدث. ليس لأن الإجابة كانت مجهولة، بل لأن السؤال نفسه لم يكن قد دخل حياتنا اليومية. كان الذكاء الاصطناعي موضوعًا يخص الباحثين والمهندسين، أو مادة لأفلام الخيال العلمي. أما اليوم، فقد صار يحضر في المقاهي، وفي المجالس، وفي رسائل منتصف الليل، كما لو كان جزءًا من تفاصيل الحياة العادية.
وحين تأملت ذلك، شعرت أن ما تغيّر ليس أدواتنا وحدها. لقد تغيّرت لغتنا أيضًا. وربما تغيّر شيء فينا معها.
فاللغة ليست مجرد ألفاظ نصف بها العالم، بل هي الطريقة التي نفكر بها فيه. وما إن تتبدل الكلمات التي نستعملها كل يوم، حتى تبدأ معاييرنا بالتبدل من حيث لا نشعر.
أصبح "الصديق" قد يكون شخصًا لم نلتقِ به قط. وأصبح "الكاتب" قد يكون نموذجًا لغويًا ينتج النصوص في ثوانٍ. وأصبحت "المحادثة" قد تدور بين إنسان وآلة، دون أن يثير ذلك دهشتنا. والآن يبدو أن الدور وصل إلى كلمة أخرى: الذكاء.
اعتدنا طويلًا أن نفهم الذكاء على أنه قدرة الإنسان على الفهم، وحسن تقدير المواقف، ومعرفة متى يتكلم ومتى يختار الصمت، وبناء علاقات تبقى رغم تغير الظروف. ثم ظهر مصطلح "الذكاء الاصطناعي"، وبدأنا نستخدم الكلمة نفسها لوصف أنظمة تستطيع إنجاز أعمال كانت، حتى وقت قريب، تُعد دليلًا على ذكاء الإنسان.
وربما حدث هنا تحول لم ننتبه إليه. فشيئًا فشيئًا، صرنا نقيس الذكاء بسرعة الإنجاز، ودقة النتائج، وغزارة المعلومات. أما الإصغاء، والحدس، والقدرة على قراءة الصمت، فلم تعد تتقدم إلى الذهن حين نتحدث عن الذكاء، مع أنها كانت يومًا من أوضح علاماته.
وهنا لا بد من إجابة واضحة على سؤال ياسر. لا، الذكاء الاجتماعي ليس مشتقًا من الذكاء الاصطناعي. بل إن الصورة أقرب إلى العكس. فالذكاء الاصطناعي، في بعض تطبيقاته، يحاول محاكاة جوانب محدودة من الذكاء الاجتماعي الذي يملكه الإنسان. تتعرف الأنظمة على تعابير الوجه، وتحلل نبرة الصوت، وتقدّر المشاعر بدرجات متفاوتة من الدقة. لكنها، مهما بلغت، لا تشعر بما ترصده. قد تعرف أن ملامحك توحي بالحزن. لكنها لا تحزن معك. تعرف الوصف... لا التجربة. وقد تختار الرد الذي تشير إليه الاحتمالات بوصفه الأنسب. لكنها لا تختار الصمت لأنها أدركت أن الكلمات، في تلك اللحظة، قد تكون جرحًا آخر. وهذا فرق لا يتعلق بكمية المعلومات، بل بطبيعة التجربة الإنسانية نفسها.
ومع ذلك، لا أستطيع أن أتجاهل ما يكشفه سؤال ياسر. فمجرد أن يخطر لنا هذا السؤال يعني أننا بدأنا، من حيث لا نشعر، ننظر إلى الذكاء من زاوية الآلة. وهنا يكمن ما يقلقني. ليس أن تحاول الآلة أن تشبه الإنسان. بل أن يبدأ الإنسان في قياس نفسه بما تستطيع الآلة أن تفعله.
لكن ثمة وجهًا آخر للمسألة. وربما يكون هو الأكثر طمأنة. فكلما تقدمت الآلة، ازددنا قدرة على رؤية ما لا يمكن اختزاله في الإنسان. في زمن تستطيع فيه الآلة أن تجيب عن آلاف الأسئلة في ثوانٍ، لم يعد السؤال الأكثر أهمية: ماذا تعرف الآلة؟ بل: ما الذي يبقى في الإنسان ولا يمكن نقله إليها؟ الحضور. والحدس. والحب. والندم. والشوق. والقدرة على أن نفاجئ من حولنا بما لا تتوقعه أي خوارزمية. وربما، من حيث لا تقصد، تدفعنا الآلة إلى إعادة اكتشاف إنسانيتنا. فهي لا تسلبها منا، بقدر ما تضعها أمامنا، وتسألنا إن كنا ما زلنا نعرف قيمتها.
ولهذا عدت إلى سؤال ياسر مرة أخرى. أدركت أن سؤاله لم يكن يبحث عن تعريف أكاديمي، ولا عن مقارنة بين مفهومين. كان يسأل، من حيث لا يدري، عن شيء أكبر. عن المعيار الذي بدأنا نقيس به أنفسنا.
ولأن الإنسان أعقد من أن يُختزل في سرعة استجابة، أو دقة تحليل، أو عدد من البيانات، فإن ذكاءه الاجتماعي لا يظهر في قدرته على قراءة الإشارات وحدها، بل في حضوره الحقيقي مع الآخر. في كلمة يعرف متى يقولها. وفي كلمة يعرف متى يؤجلها. وأحيانًا... في الصمت.
تأملت ذلك، فتذكرت موقفًا يعرفه معظمنا. يمكن لبرنامج محادثة أن يكتب رسالة عزاء متقنة، لا يكاد ينقصها شيء. لكن حين يتصل بك صديق في منتصف الليل، ويطول صمته قبل أن يتكلم، تدرك من ارتجافة صوته ما لم يقله. تعرف أنه لا يبحث عن إجابة، ولا عن نصيحة. كل ما يحتاجه أن يبقى أحد على الطرف الآخر من الخط. تلك اللحظة لا يمكن برمجتها. لأنها لا تقوم على الكلمات وحدها، بل على ما تحمله العلاقة من تاريخ، وما يحمله الصمت من معنى.
ولا أدري إلى أين ستمضي بنا السنوات المقبلة، ولا أي الأسئلة الجديدة ستولد معنا. لكنني أرجو ألا ننشغل، وسط هذا التسارع كله، بما تستطيع الآلة أن تفعله، فننسى ما يجعل الإنسان إنسانًا.
وحين أغلقت الهاتف تلك الليلة، أدركت أن ياسر لم ينقل إليّ سؤالاً فحسب، بل ترك عندي سؤالاً سيبقى معي زمناً أطول: كيف نحافظ، في عصر تتزايد فيه قدرة الآلة، على ألا نفقد قدرتنا نحن على الإصغاء، والتعاطف، والحضور؟
ربما لا أملك جوابًا نهائيًا. لكنني أعرف أن أكثر الناس ذكاءً في حياتي لم يكونوا أولئك الذين أبهروني بما يعرفون. كانوا الذين جعلوني أشعر، بعد كل لقاء، أنني كنت مفهومًا.
ولعل هذا، في النهاية، هو أكثر أنواع الذكاء إنسانية.