النهار

٠٦ أغسطس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ أغسطس-٢٠٢٦       4125

بقلم - د. عبدالرحمن بن دحام السفان 
قد نرى الابتسامة مجرد تعبير بسيط عن الفرح، لكنها في الحقيقة تحمل خلفها الكثير من التفاصيل والقصص. وبعض الابتسامات تحتاج منا إلى أن نتوقف قليلًا، نفهمها أكثر، ونمنحها الرعاية التي تستحقها.
فعندما نتحدث عن صحة الفم والأسنان لدى الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد، فنحن لا نتحدث فقط عن فرشاة أسنان أو زيارة لطبيب الأسنان، بل نتحدث عن تجربة يومية قد تحمل تحديات حسية وسلوكية وتواصلية تحتاج إلى فهم خاص وتعامل أكثر وعيًا وإنسانية.
قد تبدو لنا عملية تنظيف الأسنان أمرًا اعتياديًا لا يستغرق سوى دقائق، لكنها بالنسبة لبعض الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد قد تكون تجربة مختلفة تمامًا، فملمس الفرشاة، أو طعم المعجون، أو صوت أدوات الأسنان، أو حتى الشعور بوجود شخص قريب من الفم، قد تمثل محفزات حسية غير مريحة تجعل العناية بالفم تحديًا يحتاج إلى الصبر والتدرج.
ومن المهم التأكيد أن اضطراب طيف التوحد بحد ذاته لا يسبب أمراض الأسنان، إلا أن بعض الخصائص المرتبطة به قد تجعل الحفاظ على صحة الفم أكثر صعوبة. فقد يواجه بعض الأشخاص صعوبة في التعبير عن الألم أو وصف الشعور بعدم الراحة، كما قد يجدون صعوبة في الالتزام بروتين تنظيف الأسنان اليومي أو تقبل زيارة عيادة الأسنان.
كذلك، قد تؤثر بعض الأنماط الغذائية لدى بعض الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد في صحة الفم، خصوصًا عند الاعتماد على أنواع محددة من الأطعمة أو زيادة تناول الوجبات الخفيفة الغنية بالسكريات، مما قد يرفع احتمالية الإصابة بتسوس الأسنان وتراكم البلاك والتهابات اللثة.
لكن التحدي لا يعني غياب الحلول؛ فالرعاية الصحيحة تبدأ بالفهم. فكل شخص له احتياجاته الخاصة، والطريقة التي تناسب طفلًا قد لا تناسب طفلًا آخر. لذلك فإن بناء علاقة إيجابية مع العناية بالفم يعتمد على التدرج، والروتين، والتشجيع، وليس على الضغط أو الإجبار.
ومن الممارسات التي يمكن أن تساعد الأسرة ومقدمي الرعاية:
⦁    جعل تنظيف الأسنان جزءًا ثابتًا من الروتين اليومي حتى يصبح أمرًا مألوفًا ومتوقعًا.
⦁    استخدام الصور والوسائل البصرية لتوضيح خطوات تنظيف الأسنان بطريقة سهلة.
⦁    اختيار فرشاة الأسنان ومعجون الأسنان بما يتناسب مع التفضيلات الحسية للشخص.
⦁    البدء بزيارات دورية لطبيب الأسنان بهدف الوقاية والتعوّد على بيئة العيادة قبل الحاجة إلى أي علاج.
طبيب الأسنان شريك في صناعة تجربة أكثر طمأنينة
تلعب عيادات طب الأسنان دورًا مهمًا في تحسين تجربة الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد، فتهيئة البيئة المناسبة، وتقليل المؤثرات الحسية المزعجة، ومنح المريض وقتًا كافيًا للتعرف على المكان والطبيب، كلها خطوات تساعد على بناء الثقة وتقليل القلق.
فالزيارة الأولى لا ينبغي أن تكون مرتبطة بالألم أو العلاج فقط، بل يمكن أن تكون فرصة للتعارف، والتدرج، وتحويل العيادة من مكان مجهول إلى بيئة أكثر أمانًا وراحة.
صحة الفم جزء من جودة الحياة
لا تقتصر أهمية صحة الأسنان على المظهر الخارجي، فالأسنان السليمة ترتبط بالقدرة على تناول الطعام بشكل أفضل، والنوم براحة، والتواصل بثقة، وتقليل الألم الذي قد لا يستطيع بعض الأشخاص التعبير عنه بسهولة.
وفي المملكة العربية السعودية، يتزايد الاهتمام بتطوير الخدمات الصحية الشاملة وتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من الوصول إلى الرعاية المناسبة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تعزيز جودة الحياة، وتوفير خدمات صحية أكثر شمولًا لجميع أفراد المجتمع.
وفي النهاية، علينا أن نتذكر أن وراء كل ابتسامة قصة، وأن بعض الابتسامات تحتاج منا إلى مزيد من الفهم والصبر والاهتمام حتى تظهر بأجمل صورة.
قد تكون فرشاة الأسنان أداة صغيرة، لكنها عندما تُستخدم بالأسلوب الصحيح قد تصنع فرقًا كبيرًا في حياة شخص ذي اضطراب طيف التوحد.
فالاهتمام بصحة الفم ليس فقط حماية للأسنان، بل هو رسالة احترام، ورعاية، واهتمام بإنسان يستحق أن يبتسم بثقة