الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٢ أغسطس-٢٠٢٦       3630

بقلم - أحمد صالح حلبي 

تضم مكة المكرمة عدداً من الأسواق التجارية التاريخية التي تحدث عنها المؤرخون والرحالة أثناء أدائهم لفريضة الحج لقربها المسجد الحرام ، كسوق الليل، وسوق الصغير، وسوق المدعى. 

ويقال أن سبب تسمية سوق الليل بهذا الاسم عائد لكون تجاره يلتقون مع زبائنهم ليلا ، وقيل أيضا أن قريشا " كانت تسوق الإبل والحمير من هذا المكان وقيل كان ذلك في زمن مقاطعة بني هاشم، وكانت سوق الليل نشيطة في أيام عمر بن الخطاب، والمعروف والمشهور لدى المكيين في السنين الأخيرة أنه سوق يجتمع فيها الباعة ليلا فسميت بسوق الليل " . 

وهناك العديد من الروايات التاريخية ومنها رواية تقول إن سبب التسمية " يعود إلى طبائع الناس حيث كانوا لا يبدؤون نشاط البيع والشراء في السوق إلا بعد صلاة العصر، ويستمر بعض باعة السمن والعسل حتى بعد المغرب ويمتد إلى جزء من الليل حيث يوقدون السرج والفوانيس لزبائنهم، حتى أن بعض الباعة لا يأتون إلى الموقع إلا بعد المغرب، وهذا من الأمور غير المعتادة عند الناس في ذلك العهد حيث ينتهى يوم العمل بغروب الشمس، ولأن هذا السوق خالف المعتاد فاشتهر بذلك وسمي بسوق الليل ".

ويشير الدكتور فواز الدهاس أستاذ التاريخ في جامعة أم القرى ، ومدير مركز تاريخ مكة ـ سابقا ـ إلى أن " هذا السوق كان يسمى الحي الذي يوجد فيه باسمه، ويوجد فيه المكان الذي ولد فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو موقع مكتبة مكة المكرمة حاليا، كما يوجد فيه الموقع المعروف حتى عهد قريب بمقراة الفاتحة، وكان في الحي مسجد تاريخي بني قبل مئات السنين. ويتذكر الدهاس زمنا كان يزور فيه هذا السوق عندما كان في صباه هو وأقرانه، يلهون بين جنباته وحول أسوار محاله التجارية، وكم كانت لهم مواقف ظريفة في هذا السوق " . 

واسم سوق الليل يذكرنا بقرية تقع في منطقة جازان تعرف بــ " قرية سوق الليل ، وهي قرية سكنية تبعد 5 كم شرق مدينة أحد المسارحة ، وتقع القرية شمال وادي خلب وشرق قرية البيطارية . 

كما يوجد سوق الليل في محافظة ينبع ، وهو سوق شعبي تاريخي في المنطقة التاريخية، يُعرف بأنه من أقدم الأسواق في المدينة ويمتد تاريخه لأكثر من 500 عام. سُمي بهذا الاسم لأن أهالي ينبع قديمًا اعتادوا ارتياده ليلاً لشراء احتياجاتهم، وقد كان نقطة التقاء بين تجار المملكة ونظرائهم الأفارقة القادمين عبر ميناء ينبع.

 ويقع في المنطقة التاريخية وهو من أقدم الأسواق في ينبع " ويقال أن تاريخه يمتد لأكثر من ٥٠٠ سنه وسموه سوق الليل لأن الناس زمان كانوا يرتادوه في الليل ويتسوقوا منه وميزة السوق أنه قريب من الميناء ويطل على البحر وكان المنفذ التجاري بينبع في الزمن القديم "

أما السوق الصغير والذي يعتبر أحد أسواق مكة المكرمة المشهورة ، وكان موقعه في الناحية الغربية من المسجد الحرام ، وقد تمت إزالته ضمن مشروع الساحات الغربية للمسجد الحرام وأقيم تحته نفق للسيارات سمى بنفق السوق الصغير ، ورغم تسميته بالسوق الصغير إلا أنه كان يضم الكثير من المحلات التجارية ، فبالإضافة لمحلات اللحوم والخضروات والفواكه ، فهناك محلات لبيع الأسماك ، وأخرى لبيع الحبوب والبقول وأدوات السباكة والكهرباء ، وبعض المطاعم والبقالات المواجهة لباب العمرة لبيع الخبز والجبن والزيتون . 

وتحدث الرحالة بوخارت أحد أشهر رحالي القرن التاسع عشر ، عن السوق الصغير ، وقال إنه " إذا ما سار السائر في محلة الشبيكة إلى الجنوب ، وانحدر قليلا في سيره يصادف ما يسمى بالسوق الصغير الذي ينتهي بباب المسجد الحرام المسماة " باب إبراهيم "  

وسوق المدعى والذي يقال أن عمره تجاوز المائة عام ، ويقع في الناحية الشمالية من المسجد الحرام من جهة باب السلام، " وقيل إنه سمي بذلك لأنه المكان الذي يقف عنده الحاج يرى منه المسجد الحرام فيدعو الله بما فتح عليه ، وعن طريق المدعى يدخل الناس المسجد الحرام عن طريق باب السلام، حيث كان المسجد الحرام محاطا بالمنازل، فهو مكان مرتفع ترى الكعبة عند الوقوف عليه، وقد أُدخل السوق ضمن مشروع توسعة المسجد الحرم . 

ويعتبر سوق الجودرية واحد من أبرز أسواق مكة المكرمة القديمة ، وفي كتابه ( تاريخ مكة ) ذكر الأستاذ أحمد السباعي أن سوق الجودرية نسب " إلى شخص يدعى ( جودر ) كان يسكن المنطقة وهو من ذوي النفوذ في عهد الدولة العثمانية " .

وهناك كتاب بعنوان: "الأسواق التجارية في مكة المكرمة" للباحثة شروق بنت عبدالله العواد ، صادر عن دارة الملك عبدالعزيز يتناول حقبة تاريخية مهمة في اقتصاد مكة المكرمة، شهدت تحولًا نوعيًّا ونموًا كبيرًا في الحركة التجارية بين عامي 923 و 1100 هجرية، استعرضت من خلاله الباحثة الدور البارز لموقع مكة الجغرافي في ازدهار الأسواق التجارية وانتعاشها بالسلع المختلفة، وكيف أصبحت مدن الحجاز كافة ومكة المكرمة خاصة أسواقاً تجارية مزدهرة.