الكاتب :
التاريخ: ٣١ يوليو-٢٠٢٦       6820

بقلم - عيسى كوويت 

كل من لا يكسب يعتقد أنه خاسر...  

أتذكر في بداية المراهقة، أيام كان عمري 16، كنت شاعرًا أرصّ كلمات ذات مدلول سجعي توحي بأن هذا الولد قد يكون خليفة المتنبي شخصيًا... ولكن يوحى له فقط؟ *(شعور شخصي)*. وهذا الشعور الشخصي ألقى بظلاله بمجرد أن قام عمي بعمل مسابقة لمواهب العائلة. والفائز سيأخذ جائزة مقدارها ثلاث ريالات كاش، وعصير ربيع، وواحدة بيض مقلي، وهي كانت للأمانة مجزية!

 

وفي يوم الأمسية الكبرى كنت قد كتبت كلماتي العصماء على وزن: "واوا أسناني واوا، وديني عند الطبيب، ما عاد بدي شوكولاتة، بدي أشرب الحليب" ... وكنت متأكدًا بأني الفائز، كون أساسًا لا أحد يهتم بالشعر في "مبزرة" العائلة إلا أنا.

 

واللجنة مكونة من عمي وإخوانه *(بابا)* وثلاثة من الحضور، أحدهم أبو صالح راعي البقالة، بقالة حارتنا، وسبق أن قمت بالتنمر عليه، وهاهو اليوم مصير سندوتشي بين يديه!

 

وكذلك من الحضور أبي، الذي "مسطني" قبل يومين بالعلاقي كوني لم أعبِّ المكيف الصحراوي بالماء واحترقت طرمبته.

 

وكذلك خالي موجود، وهو الآخر كان قد وبخني على حلاقتي "الكابورية" مثل فتيان الحارة "الدشير"...  

فكانت النتيجة واضحة، وليالي العيد باينة من عصاريها. فانتهت المسابقة بفوز بنت عمي، التي حينذاك طفلة شهباء لم تتجاوز التاسعة من عمرها. وكنت أرعاها منذ ولادتها، كنت لا أسمح لأحد أن يتحدث عن خشمها الكبير، ووجهها آنذاك الذي يخلو تمامًا من براءة الطفولة، لكنه وجه مسالم.  

ليس لها أي علاقة بالشعر، وإنما كانت للتو قد ختمت القرآن. فأرادوا أن يتوجوها على حساب موهبتي، كوني الشاعر الفذ الوحيد في العائلة. وتشهد جدران الحارة على أبياتي.

 

الخلاصة أن النتائج كانت غير عادلة من منظوري... لكن اللجنة لها منظور آخر. أولًا: بالفعل الفائزة خاتمة القرآن في سن مبكر، وكانت ذات ذكاء فطري، وكانت طفلة مباركة، فخر العائلة، وأفصح بكثير من الخزعبلات التي كنت ألقيها كتعاويذ. بالإضافة إلى أنها أكثر استقامة و *(ديمومة)*.  

على النقيض من الموهوب المزعوم "عيسى" الذي حينذاك أتعب العائلة بالشكاوى من الجيران الذين كنت "أجلد" مراهقيهم غير المنضبطين.

 

وهذا بالمناسبة من الأسباب التي جعلت والدي يزوجني في سن 16، لأنه كان من الواضح أن هذا الفتى على وشك جلب فضيحة أو جريمة.

 

ومنذ ذلك الحين لم أعد أقرأ أو أكتب عن الشعر، لأني ظلمت عبر لجنة منحازة انحيازًا واضحًا: عمي فوز بنته، وخالي قبلها بيوم جايب لها هدية كونها ختمت القرآن، وراعي البقالة يكرهني لأني متنمر عليه، وأبوي انحاز لبنت أخيه.

 

اليوم بعد مرور 23 سنة...

 

عرفت أن الجهد والموهبة وحدها لا تكفي. إذا ما عندك القدرة على التطمين والسلام الدائم والتسويق لعملك بشكل واضح دون تصادم مع أحد، لن تصل.  

وأن الإنسان يشق طريقه بذكاء دون أن يهدد مصالح الآخرين أو يبدو عليه كذلك، بمعنى أن تصرفاته غير آمنة.  

وأيضًا النجاح الحقي هو أن تكون ضمن مجموعة من الناس، وأن عملك *(يتسم بالديمومة)* وأثره أكبر من *(ومضة موسمية)*.

 

وأما الشهرة أمر فردي... ولهذا إلى يومنا هذا أجد في العائلة من يسميني *"شاعرنا"*.

 

بنت عمي أخرجت المئات من الفتيات اللواتي حفظن القرآن على يديها، واليوم هناك عشرات النساء اللواتي يَدِنَّ لها بالكثير من المعروف ويذكرن لها الفضل... *(الديمومة)*

 

أنا؟  

راحت عليّ السندوتشة والثلاث ريال... وأبو صالح الله يسامحه، هو كان الصوت الفارق 😁  

لكن أبي كان يعلم بأني لست شاعرًا ويجب أن تتوقف هذه المهزلة التي كنت أقدمها كقطعة من الإزعاج وتعطيل الأسماع واستهلاك إنصات العائلة... وعمي كان صح.