الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٩ يوليو-٢٠٢٦       3630

بقلم ـ علي بن عيضة المالكي

في معرض الدراسات والبحوث التي أجريها بين فترة وأخرى لقياس تطور الوعي الفكري لدى المجتمع، يتأكد لي أن الإنسان يحمل في داخله أكثر مما يبوح به لسانه. فالسلوك يسبق الاعتراف، وردود الأفعال ترسم خرائط دقيقة للشخصية، أما المواقف فتكشف طبقاتها العميقة دون استئذان. ومن هنا جاءت الدراسات النفسية لتقرأ ما وراء الكلمات، وتفكك الإشارات التي يصنعها العقل حين يواجه الخوف، أو الطموح، أو الغيرة، أو الإخلاص، أو الحاجة.

ولأن النفس الإنسانية بناء بالغ التعقيد، فقد تجاوزت الدراسات الحديثة الاكتفاء بوصف الظواهر، واتجهت إلى البحث عن الجذور التي تشكل الصفات، والعوامل التي تصنع أنماط التفكير، والبيئات التي تنحت الشخصية عبر مراحل العمر. وهكذا أصبحت قراءة الإنسان علمًا يجمع بين الملاحظة الدقيقة، والتحليل العميق، وربط السلوك بأسبابه، حتى يغدو كل تصرف جزءًا من صورة أكبر تستحق التأمل.

ومن هذا المنطلق، تأتي هذه المقالة لتقترب من أبرز ما انتهت إليه الدراسات النفسية في فهم صفات الأشخاص، وكيف تنعكس تلك الصفات على قراراتهم، وعلاقاتهم، وطريقة تعاملهم مع الحياة، بعيدًا عن الأحكام السريعة، واقترابًا من فهم أكثر نضجًا وعمقًا للطبيعة الإنسانية.

عمومًا ينبغي معرفة شيء مهم عند توجيه بوصلة القراءة من أجل اكتشاف نقاط أكثر عمق في داخل الإنسان حتى يصبح عندنا القدرة على التعامل بصورة أكثر منطقية وواقعية: مع المحيطين، فالعلاقات الحقيقية لا تكشف حقيقته منذ اللقاء الأول، فالكلمات تستطيع أن ترتدي أجمل الصور، والمجاملة تجيد رسم الانطباعات، والهدوء يمنح الشخصية مظهرًا متزنًا. غير أن المواقف تحمل قدرة فريدة على إزالة كل ما تراكم فوق الحقيقة، فتظهر الأخلاق كما هي، ويأخذ كل إنسان مكانه الطبيعي دون أن يشعر.

ومع امتداد التجارب تبدأ التصرفات في رسم خريطة النفس. هناك من يقترب كلما أخطأ، لأن ضميره يدفعه إلى إصلاح ما انكسر، وهناك من يختار المسافة، فتغدو خطواته أداة يهرب بها من مواجهة حقيقة يعرفها أكثر من أي أحد آخر. ومن هنا تبدأ الدراسة النفسية في تجاوز ظاهر السلوك إلى البحث عن القوة التي تحركه من الداخل.

هكذا هي النفس البشرية تمتلك وسائل كثيرة لحماية صورتها أمام ذاتها. وعندما يعجز الإنسان عن الاعتراف بخطئه، يبدأ العقل في بناء أسوار تحجب الحقيقة عن الشعور. فيخفف حجم الخطأ، ويعيد تفسير الوقائع، ويمنح نفسه أعذارًا متتابعة، ثم يصل إلى مرحلة يرى فيها حضور صاحب الحق عبئًا ثقيلًا، لأن ذلك الحضور يوقظ مشهدًا حاول دفنه في أعماقه.

من هنا يظهر أحد أكثر أنماط السلوك تعقيدًا. فالمشكلة لا تقيم في اللقاء، وإنما في الذاكرة التي يصحبها اللقاء. فكل نظرة تعيد القصة، وكل حديث يوقظ الضمير، وكل حضور يفتح ملفًا أغلقه صاحبه في الظاهر، بينما بقي مفتوحًا في الداخل. ولهذا يتحول الابتعاد عند بعض الشخصيات إلى وسيلة دفاع نفسي أكثر من كونه قرارًا اجتماعيًا.

ومع استمرار هذا الصراع تنشأ مرحلة أشد تعقيدًا، إذ يحاول الإنسان حماية توازنه الداخلي عن طريق تغيير صورة الطرف الآخر. فيبدأ بتضخيم أخطائه، أو تأويل كلماته، أو صناعة روايات تمنحه شعورًا بالراحة. فهو لا يبحث عن الحقيقة، وإنما يبحث عن مساحة يهدأ فيها صوته الداخلي الذي يطالبه بالمواجهة.

عند تلك النقطة تحديدًا (أعني نقطة الصراع) نتوقف قليلاً حيث تتجلى قيمة الأخلاق. فالأخلاق لا تظهر في لحظة الرضا، وإنما عند الوقوف أمام الخطأ. الإنسان الناضج يمتلك شجاعة الاعتذار، ويحمل مسؤولية أفعاله، ويمنح الحق مكانته مهما بلغت كلفة الاعتراف. أما النفس التي تخشى مواجهة ذاتها، فإنها تستبدل الاعتذار بالمسافة، والمصارحة بالصمت، والمراجعة بالهروب.

ومن يقرأ البشر بعين الحكمة يدرك أن كل ابتعاد يحمل رسالة، وأن كل تصرف يخفي سببًا أعمق من صورته الظاهرة. لذلك لا يجعل مواقف الآخرين ميزانًا لقيمته، لأن الإنسان قد يغادر المكان الذي يشعر فيه بثقل ضميره، وقد يترك الشخص الذي يذكره بحقيقة حاول إنكارها طويلاً

أخيرًا وفي عمق الدراسة النفسية تتجلى حقيقة هادئة؛ فالضمير يملك ذاكرة لا تنطفئ، والأخلاق تبقى الامتحان الأصعب للنفس، والإنسان يكشف أعماقه كلما حاول إخفاءها، لأن السلوك يروي القصة التي تعجز الكلمات عن روايتها.