النهار
بقلم- عبدالمحسن محمد الحارثي
حين يصبح للوطن سلاحان، وقراران، وولاءان ؛ فاعلم أن الدولة بدأت تفقد معناها، وإن بقي علمها يرفرف فوق مؤسساتها.
فالدول لا تنهار دائمًا عندما تجتاحها الجيوش، بل قد يبدأ انهيارها يوم ينازعها أحدٌ حقها في احتكار القوة، ويشاركها قرار الحرب والسلم، ويتحدث باسم الوطن دون أن يفوضه الوطن.
هذه هي اللحظة التي لا تختطف فيها المليشيا مدينةً أو معسكرًا، بل تختطف الدولة نفسها.
لقد لخّص عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر هذه الحقيقة حين عرّف الدولة بأنها: "الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للقوة داخل إقليمه".
ولم يكن تعريفه مجرد صياغة قانونية، بل كشفًا لجوهر الدولة الحديثة ، فاحتكار القوة ليس امتيازًا للسلطة ، وإنما ضمانة للمجتمع ؛ لأن تعدد السلاح يعني بالضرورة تعدد القرار، وتعدد القرار هو أول الطريق إلى الفوضى.
ولهذا لا تبدأ المليشيات مشروعها بالبندقية، بل بالفكرة.
إنها تسعى أولًا إلى احتلال الوعي، فتخلط بين الوطن والجماعة، وبين الدولة والتنظيم، حتى يصبح نقدها خيانة، ومواجهتها عداءً للشعب، وكأن الوطن قد اختُزل في فصيل، والسيادة في بندقية.
ومن هنا تنشأ أخطر صور التضليل السياسي؛ إذ تتحول الجماعة إلى وصيٍّ على الدولة، ويصبح السلاح وسيلةً لفرض الإرادة لا لحماية القانون.
وحين تبلغ الأمور هذا الحد ؛ لا يعود الخطر محصورًا في الداخل، بل يمتد إلى الخارج، فتُستخدم أراضي الدولة ومنشآتها ومواردها منصةً لصراعات لم يخترها شعبها، فتدفع ثمن قرارات لم تصنعها.
ولذلك ..فإن أول ضحايا المليشيات ليس الجار الذي يتعرض لاعتداءاتها، بل الوطن الذي تتحرك باسمه.
فهي تستنزف اقتصاده، وتربك علاقاته، وتعطل تنميته، وتجعله أسيرًا لأجندات تتجاوز حدوده ومصالحه الوطنية.
وقد قال المنظّر العسكري كارل فون كلاوزفيتز: "الحرب امتدادٌ للسياسة بوسائل أخرى".
وهذا هو منطق الدولة؛ إذ تجعل القوة آخر أدواتها بعد أن تستنفد الحوار والدبلوماسية والقانون.
أما المليشيا ؛ فإنها تقلب هذه القاعدة رأسًا على عقب، فتجعل السياسة امتدادًا للبندقية، وتبقي المجتمع رهينةً لمنطق القوة، لا قوة المنطق.
ولذلك .. لم تعرف الأمم الاستقرار إلا عندما عاد السلاح إلى يد الدولة وحدها. فالتاريخ يعلمنا أن الحضارات لا تزدهر في ظل تعدد مراكز القوة، وإنما في ظل سلطة شرعية واحدة، يخضع لها الجميع دون استثناء.
وقد أدرك ابن خلدون هذه السنة حين ربط قيام العمران بوجود سلطان جامع ؛ لأن السلطة إذا تفرقت، تفرقت معها مصالح الناس، وبدأت الدولة تفقد قدرتها على حماية نفسها ومجتمعها.
إن الدولة لا تُقاس بعدد دباباتها ولا بطائراتها، بل بقدرتها على أن تجعل القوة خاضعة للقانون، وأن تجعل القانون نافذًا على الجميع.
فحين يعلو السلاح على الدولة ؛ لا يضعف النظام وحده، بل تضعف فكرة الوطن نفسها.
ومن هنا .. ينبغي أن يترسخ في الوعي أن مواجهة الجماعات المسلحة الخارجة على سلطة الدولة ليست مواجهةً مع الشعوب، ولا عداءً للأوطان، بل دفاعٌ عن حق الأوطان في أن تستعيد قرارها، وأن تحتكر الوسائل المشروعة لحماية مواطنيها وسيادتها.
فالخلط بين الدولة والمليشيا هو الهدية الكبرى التي تقدمها الدعاية المسلحة لنفسها ؛ لأنه يمنحها شرعيةً لم يمنحها إياها الشعب ولا القانون.
إن الدولة الرشيدة لا تبحث عن الحرب ؛ لأن السلام هو بيئتها الطبيعية، لكنها كذلك لا تسمح بأن يتحول صبرها إلى ثغرة ينفذ منها المعتدون، ولا أن يصبح ضبط النفس غطاءً لاستباحة أمنها. فحين تستنفد السياسة وسائلها ؛ يصبح الدفاع عن السيادة واجبًا، لا رغبة، وحمايةً للنظام، لا انتقامًا.
ولعل أخطر ما تواجهه الدول اليوم ليس كثرة الأسلحة، بل كثرة من يدّعون حق استخدامها خارج إطارها. فالسلاح حين يفارق الدولة لا يحمي وطنًا، بل يصنع دولةً داخل الدولة، وقرارًا فوق القرار، وولاءً ينافس الولاء الوطني.
ولهذا .. فإن معركة هذا العصر ليست بين دولة وأخرى بقدر ما هي بين مشروعين: مشروع يؤمن بأن القانون هو الذي يحكم السلاح، ومشروع يؤمن بأن السلاح هو الذي يحكم القانون. وبين المشروعين يتحدد مصير الأوطان.
وفي النهاية .. لا تنتصر المليشيات حين تطلق رصاصة، بل حين تنجح في إقناع الناس بأنها هي الوطن.
ولا تنتصر الدولة حين تستخدم القوة، بل حين تثبت أن قوتها منضبطة بالشرعية، ومحكومة بالقانون، ومكرسة لحماية الإنسان وصون السيادة.
فحين تختطف المليشيا الدولة ؛ يخسر الجميع ، وحين تستعيد الدولة قرارها ؛ يربح الجميع.