النهار

٠٢ أغسطس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٢ أغسطس-٢٠٢٦       4125

بقلم: عبدالله الكناني

*ليست القامات السامقة ما تراه الأبصار، وإنما ما تشهد به المواقف،فكم من اسمٍ ملأ الآفاق ثم انطفأ أثره، وكم من إنسانٍ عاش بعيدًا عن الأضواء، لكنه بقي حيًّا في الضمائر بما غرسه من خير، وما تركه من مروءة، وما خلّفه من أثرٍ لا تمحوه السنون.*
فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بما يملك، ولا بما يدّعي، وإنما بما يشهد له الناس عند غيابه، وبما يبقى من سيرته بعد رحيله.

ولهذا لم تكن الفضائل يومًا زينةً اجتماعية، ولا ألفاظًا تُردَّد في المجالس، بل كانت ميزانًا تُعرف به معادن الرجال، وبوصلةً تهتدي بها الأمم في مسيرتها،فإذا رسخت الأخلاق في النفوس، استقامت الأحوال، واطمأن الناس إلى بعضهم، وبقي للمجتمع تماسكه وهيبته مهما تبدلت الظروف وتعاقبت الأزمنة.

*لهذا*، فإن لكل فضيلةٍ رجالًا ونساءً يحملون لواءها، ويجسدون معناها، ويثبتون أن القيم لا تموت ما دام في الأرض من يؤمن بها ويترجمها إلى عملٍ وموقف.

فالخير لا يخلو من أناسٍ يجعلون الإحسان منهجًا، ويزرعون المعروف دون انتظار جزاء أو ثناء، والكرم لا يزال يجد قاماتٍ تسمو بالبذل حتى يصبح العطاء سجيةً لا تكلُّفًا، والجود لا ينقطع ما دامت هناك نفوسٌ تؤمن أن ما يُقدَّم للناس هو الباقي، وأن ما يُمسك عنهم هو الزائل.

والنجدة لا تزال تجد رجالًا يسبق حضورهم الاستغاثة، ويصلون قبل أن يكتمل النداء، كما أن الشهامة تبقى خُلُقًا أصيلًا يحفظ الجوار، ويصون الحقوق، ويقف مع المظلوم دون تردد، وتظل المروءة عنوان النفوس الكبيرة التي تترفّع عن الصغائر، وترتقي فوق نوازع الأنانية، بينما تبقى النخوة استجابةً فطرية لكل محتاج، وعونًا لكل مكروب.

وسيظل الصدق لسانًا لا يعرف الالتواء، والأمانة ضميرًا لا تُغريه المكاسب، والوفاء عهدًا لا تنقضه الأيام، والإخلاص عملًا نقيًّا لا ينتظر تصفيقًا ولا يبحث عن شهرة، لأن أصحاب الرسالات الحقيقية يؤمنون أن أثر العمل أعظم من صدى الحديث عنه.

أما الحكمة، فهي نور العقول التي تزن الأمور بعواقبها، لا بانفعالاتها، والعلم مشكاة الحضارات التي تبدد ظلمات الجهل، والعقل الرشيد هو الذي يقدّم البرهان على الهوى، ويجعل من المنطق سبيلًا إلى الحقيقة، بينما يبقى العدل أعظم دعائم الاستقرار، فلا يستقيم عمران، ولا تدوم دولة، ولا يأمن مجتمع إلا إذا كان العدل أساس الحكم والتعامل.

وللشجاعة رجالٌ يثبتون حين تتراجع الخطى، ويصمدون عندما تتزلزل المواقف، وللرحمة قلوبٌ تضمّد الجراح، وتخفف الآلام، وتمنح الأمل لمن أثقلته الحياة، وللعفو نفوسٌ ترى في الصفح رفعةً للنفس، لا انتقاصًا من الكرامة، وللصبر رجالٌ يحوّلون المحن إلى دروس، والابتلاءات إلى يقين، ويستقبلون الشدائد بثبات المؤمن وحسن التوكل.

وللتواضع قممٌ كلما ارتفعت مكانتها ازداد اقترابها من الناس، لأن العظمة الحقيقية لا تُقاس بعلو المنصب، وإنما بسمو الخلق،وللحياء زينةٌ تحفظ للإنسان وقاره، وللإحسان أثرٌ يبقى في القلوب طويلًا بعد أن تُنسى الأسماء، ولحسن الخلق مكانةٌ لا يبلغها مال، ولا يمنحها جاه.

وستظل كلمة الحق تجد من يحملها بإيمانٍ لا يعرف المساومة، وسيظل للوطن رجالٌ ونساءٌ يقدّمون مصلحته على مصالحهم، ويصونون وحدته، ويحفظون أمنه، ويؤمنون أن الأوطان تُبنى بالإخلاص قبل البناء، وبالعمل قبل الأقوال، وبالولاء الصادق قبل الشعارات.

وقد يتبدّل الزمان، وتتغير الوجوه، وتتزاحم المصالح، ويعلو ضجيج الزيف حتى يظن بعض الناس أنه انتصر، غير أن التاريخ لا يمنح الخلود لأصحاب الضوضاء، وإنما يكتبه لأولئك الذين ثبتوا على مبادئهم، وأخلصوا في أعمالهم، وجعلوا من حياتهم رسالةً تتجاوز حدود أعمارهم.

*ولعل أجمل ما في الفضائل أنها لا ترحل برحيل أصحابها، بل تنتقل من جيلٍ إلى جيل، كما تنتقل المشاعل في الليالي الحالكة؛ فإذا خبت شعلةٌ، أضاءت أخرى، وإذا غاب حاملُ رايةٍ، نهض لها من يحملها* وهكذا يبقى الخير متصلًا، والحق محفوظًا، والوفاء حاضرًا، والمروءة حيّة، ما دام في هذه الأمة من يرى أن الإنسان لا يخلّده ما جمع، بل ما قدّم، ولا ما قال، بل ما فعل، ولا ما أخذه من الدنيا، بل ما ترك فيها من أثرٍ كريم، وسيرةٍ عطرة، وذكرٍ حسنٍ يبقى بعد أن يطويه الثرى.