النهار

٠١ أغسطس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ أغسطس-٢٠٢٦       9845

بقلم ـ هلا الخباز

سألت طفلة جدتها: لماذا ماتت أمي؟

أجابت بهدوء: لأنها مرضت 

ولماذا مرضت؟ 

صمتت الجدة للحظة، ثم جاء السؤال الذي أربكها أكثر من كل ما سبقه:

ولماذا نموت أصلًا؟

توقفت الجدة عن الإجابة بعد أن دمعت عيناها، ليس لأن السؤال كان أكبر منها.. بل لأن الحياة نفسها لا تقدم دائمًا تفسيرًا واحدًا.

في مرحلة ما من حياتنا، سأل كل واحد منا السؤال نفسه، وإن اختلفت الكلمات: ما معنى كل هذا؟

لم نكن نبحث عن المعنى فقط..بل كنا نبحث عن معنى واحد، وإجابة واحدة واضحة ونهائية تطمئننا، وسببًا واحدًا لما حدث، ورسالة واحدة ينبغي أن نستخلصها، وكأن الحياة كتاب مدرسي، وفي آخره صفحة بعنوان: "الإجابة الصحيحة".

لكن الحياة لم تُكتب بهذه الطريقة.

منذ طفولتنا تعلمنا أن لكل سؤال جوابًا واحدًا.

كم حاصل اثنين زائد اثنين؟

ما عاصمة هذه الدولة؟

كانت الإجابات محددة، والخطأ فيها واضحًا.

ثم كبرنا.. وحاولنا تطبيق المنطق نفسه على الحياة.

ظننا أن لكل خسارة سببًا واحدًا، ولكل حب نهاية مفهومة، ولكل نجاح وصفة ثابتة، ولكل إنسان غاية واحدة جاء من أجلها.. لكن الواقع أكثر رحابة من ذلك بكثير.

ولعل الشاعر والفيلسوف ابن عربي عبّر عن هذه الفكرة حين قال: "كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة". فكلما اتسعت الحياة أمامنا، أصبحت أقل قابلية لأن تختصر في تفسير واحد.

نحن لا نبحث عن المعنى لأننا فضوليون فقط، بل لأن العقل البشري لا يحتمل الفراغ طويلًا، الغموض يقلقه، وغياب التفسير يجعله يشعر بانه فقد السيطرة.

ولهذا يخترع القصص، ويرتب الأحداث، ويبحث عن أنماط حتى عندما لا تكون موجودة.. يقول عالم النفس جيروم برونر :"إن الإنسان يفكر في حياته على هيئة قصص؛ لأن السرد يمنح الفوضى شكلًا يمكن احتماله".

وربما لهذا السبب لا نطيق عبارة: "لا أعرف.". فنحن نفضل تفسيرًا ناقصًا على فراغ كامل.

وفي المعنى نفسه، كتب المفكر علي عزت بيغوفيتش: "الإنسان لا يعيش بالحقائق وحدها، بل بالمعنى الذي يمنحه لتلك الحقائق". فالحدث وحده لا يكفي، بل نحن من نكسوه بالمعنى، ونحوله إلى قصة نستطيع أن نواصل العيش معها.

ولهذا نسارع إلى منح كل ما يحدث لنا تفسيرًا مباشرًا.

خسرت عملي.. لا بد أن في الأمر حكمة.

تأخر زواجي.. لا بد أن الحياة تدخر لي شيئًا أجمل.

فشل مشروعي.. إذن الكون يريد أن يعلمني درسًا.

وأحيانًا يكون هذا صحيحًا.. لكن في أحيان كثيرة، لا يكون الأمر كذلك. ربما لم يكن هناك درس خفي، ولا رسالة سرية، ربما كان ما حدث مجرد جزء من حياة لا تسير دائمًا وفق ما نتمنى، المشكلة ليست في البحث عن المعنى.. بل في الإصرار على أن يكون هناك معنى واحد فقط.

الحدث قد يكون واحدًا...

أما المعاني، فبعدد البشر الذين عاشوه.

وفاة شخص عزيز...

قد تجعل أحدهم أكثر قربًا من أسرته.

وتزرع في الثاني خوفًا دائمًا من الفقد.

وربما تترك عند الثالث حزنًا طويلًا بلا أي درس واضح.

أي هذه المعاني هو الصحيح؟

ربما جميعها، وربما لا يحتاج أي منها إلى أن يلغي الآخر.

يقول نجيب محفوظ: "الحقيقة ليست مطلقة كما نظن، ولكل إنسان نصيبه منها".

ولعل هذه هي طبيعة التجربة الإنسانية؛ فالحدث واحد، لكن الإنسان لا يعيش الحدث كما هو، بل كما يراه، وكما يشعر به، وكما ينسجه داخل ذاكرته.. ولهذا كتب فريدريك نيتشه: "ليس هناك حقائق، بل تأويلات". وهي عبارة لا تنفي وجود الحقيقة، بقدر ما تذكرنا بأن الإنسان يرى العالم دائمًا من نافذته الخاصة، ولهذا تبدو فكرة "المعنى الواحد" أقرب إلى حاجتنا النفسية منها إلى حقيقة الحياة، فنحن نحب النهايات المغلقة، ونحب أن نعتقد أن كل شيء يحدث لسبب واحد، لكن الحياة تشبه النهر أكثر مما تشبه السكة الحديد، تتغير مجاريها باستمرار، ويختلف منظرها كلما وقفت على ضفة جديدة.

ولعل الشاعر محمود درويش لخص هذه الفكرة، حين لم يقل إن للحياة سببًا واحدًا، بل قال: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".. لاحظ أنه لم يخبرنا ما الذي يستحق الحياة.. ترك لكل إنسان أن يجد جوابه بنفسه، وكأن المعنى لا يُعطى لنا.. بل نكتشفه، ونعيد اكتشافه، كلما تغيرنا

قال الطبيب والفيلسوف فيكتور فرانكل، الذي عاش أهوال معسكرات الاعتقال النازية، إن الإنسان يستطيع أن يجد معنى حتى في المعاناة.. لكنه لم يقل إن الجميع سيجدون المعنى نفسه، فالمعنى ليس شيئًا نكتشفه مرة واحدة ثم ينتهي الأمر. إنه علاقة متجددة بين الإنسان وحياته، ولهذا قد يكون ما أعطى حياتك معنى في العشرين.. لا يكفيك في الأربعين.

وهنا يحضر قول عباس محمود العقاد: "الحياة لا تُقاس بعدد السنين، وإنما بعمق الشعور". فالمعنى لا يتغير لأن الزمن مضى فقط... بل لأن الإنسان نفسه يتغير.

وفي هذا أيضاً كتب مارسيل بروست: "رحلة الاكتشاف الحقيقية لا تكمن في البحث عن أراضٍ جديدة، بل في امتلاك عيون جديدة". وربما لهذا السبب لا نعود بعد كل تجربة الأشخاص أنفسهم، ننظر إلى الأحداث القديمة بعين مختلفة، ونمنحها معاني لم نكن نراها من قبل.

ربما أخطأنا منذ البداية عندما ظننا أن للحياة معنى واحدًا.

وربما ليست قيمة الحياة في أن نجد الإجابة النهائية...

بل في أن نظل قادرين على طرح الأسئلة، وأن نسمح للمعنى بأن يكبر معنا، ويتغير معنا، كما نتغير نحن.

فربما ليست الحياة كتابًا يحتوي على صفحة أخيرة عنوانها "الجواب الصحيح"...

بل كتابًا نعيد كتابة هوامشه كلما عشنا أكثر، وخسرنا أكثر، وأحببنا أكثر.

فإذا كانت الحياة تتسع لكل هذه المعاني... فلماذا ما زلنا نصرّ على البحث عن معنى واحد فقط؟