النهار

٠١ أغسطس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ أغسطس-٢٠٢٦       4345

بقلم ـ علي بن عيضة المالكي

سأكون مضطرًا أن أبدأ الموضوع بسؤال استفهامي لعلنا نجد جوابه في طيه وداخل مضمونه. هل تعلم أن التاريخ لا يختبر قوة الدول عند وفرة الموارد، ولا عند اتساع الحدود، وإنما يختبرها عند لحظة القرار. ففي تلك اللحظة تتكشف حقيقة السلطة، وتتحدد قيمة المؤسسات، ويظهر مقدار ما تملكه الدولة من استقلال وقدرة على حماية مصالحها. القرار الواحد يصنع دولة تتقدم بثبات، أما القرار الذي تتنازعه المرجعيات فيفتح أبوابًا واسعة للحيرة، ويمنح الآخرين فرصة قراءة التناقض قبل قراءة الموقف.

من هنا تبدأ القصة. فالقضية لا ترتبط بخلاف سياسي، ولا تتوقف عند تصريح متشنج، وإنما تمتد إلى سؤال أكثر عمقًا: من يملك حق التعبير عن الإرادة الوطنية؟ وعندما تتعدد الإجابات، تتراجع هيبة الدولة، لأن السيادة لا تعرف ازدواجية المرجع، ولا تقبل أكثر من بوصلة تقود اتجاهها.

تمتلك بلاد الرافدين رصيدًا حضاريًا وجغرافيًا يجعلها أحد أهم مفاتيح التوازن في المنطقة. غير أن هذا الرصيد يحتاج إلى إرادة متماسكة تجمع أدوات السياسة والأمن والدبلوماسية تحت سقف واحد. فكل مركز تأثير يعمل خارج هذا الإطار يضيف عبئًا جديدًا على القرار، ويجعل العلاقات الخارجية عرضة لتفسيرات متباينة، بينما تحتاج الدول إلى خطاب واضح يعكس موقفًا واحدًا ومصلحة واحدة.

كما أن مستقبل هذا البلد مرهون بترسيخ مرجعية وطنية تحتكم إليها جميع القوى، لأن التنمية لا تزدهر في بيئة تتردد فيها القرارات، والاستثمار يبحث عن وضوح، والدبلوماسية تبني جسورها مع من يملك القدرة على الوفاء بالتزاماته. وكل خطوة تعزز وحدة القرار تمنح الداخل مزيدًا من الثقة، وتمنح المحيط الإقليمي شريكًا يمكنه بناء علاقات مستقرة تقوم على الاحترام المتبادل.

ومن هذا المنطلق تبرز التصريحات التي تصدر بين حين وآخر عن بعض فصائل الحشد الشعبي تجاه المملكة العربية السعودية بوصفها انعكاسًا لإشكالية أوسع تتصل بمرجعية القرار. فالعلاقات بين الدول تحتاج إلى لغة تحفظ المصالح، وتفتح أبواب التعاون، وتبتعد عن الخطابات التي تزيد مساحة التوتر. وكلما اتسعت الفجوة بين الخطاب الصادر عن بعض الفاعلين وبين التوجهات الرسمية، برزت أسئلة مشروعة حول الجهة التي تقود السياسة الخارجية، وحول قدرة المؤسسات على توحيد رسالتها.

المنطقة لا تحتاج إلى خطابات تصنع خصومات جديدة، وإنما تحتاج إلى عواصم تمتلك شجاعة القرار، وحكمة التوازن، وبصيرة تدرك أن الاستقرار يحقق مكاسب تتجاوز أي مكسب مرحلي. ولهذا، فإن بناء علاقات متوازنة مع المملكة العربية السعودية وسائر دول الجوار يمثل ركيزة مهمة لتعزيز الأمن الإقليمي، وفتح آفاق أوسع للتعاون الاقتصادي والسياسي، وهو هدف لا يكتمل إلا عندما تتوحد مرجعية القرار.

ويبقى الطريق إلى المستقبل واضح المعالم؛ دولة تقودها مؤسساتها، وسياسة تعبر عن إرادتها الوطنية، وقرار يحمي المصالح العليا دون أن تجره الحسابات المتفرقة إلى مسارات تستنزف الحاضر وتؤجل فرص النهوض. عندها وحدها يستعيد هذا البلد المكانة التي يليق بها، ويعود عنصر توازن فاعلًا في محيطه العربي والإقليمي، لا ساحةً تتزاحم فيها المرجعيات وتتقاطع عندها الاتجاهات.