النهار
بقلم ـ طارق محمود نواب
ليست السعودية العظمى وطنًا يعبر في هوامش الزمن بل هي سِفرٌ سياديٌّ نُقشت صفحاته بمداد البطولة وتتابعت فصوله على إيقاع التأسيس والتمكين حتى أصبحت شاهدًا على أن المجد لا يُمنح بل يُنتزع بالإرادة والعمل وبصيرة القيادة. ولذلك فإن من يوجّه إليها سهام العداء لا يصطدم بدولةٍ فحسب بل يصطدم بجدار التاريخ ويخاصم حقائق لا تُزحزحها الأمنيات ولا تُبددها الضوضاء. فهذه البلاد لم تُشيد مكانتها على أرصفة المصادفات ولم تُبنِ هيبتها على شعاراتٍ عابرة وإنما نحتت حضورها من صخر العزيمة وصاغت مستقبلها برؤيةٍ نافذة وأحاطت منجزاتها بسياجٍ من الحكمة والحزم حتى غدت رقمًا عصيًّا على الشطب ومحورًا تتقاطع عنده خرائط القرار وركنًا تستند إليه معادلات الاستقرار.
ومن المؤسف أن كثيرًا من الخصومات لا تنبع من قراءةٍ منصفة بل من بورصة الضمائر التي تُسعَّر فيها المبادئ ومن سماسرة الولاء الذين لا يعرفون انتماءً إلا لمن يدفع أكثر ومن الوجوه المستأجرة التي تبدّل أقنعتها مع تبدّل المصالح ومن تجّار المواقف الذين يعرضون قناعاتهم في مزاد المبادئ ومن مقاولي الأكاذيب الذين يتكسّبون بتزييف الوعي وصناعة الأوهام. فهؤلاء هم المرتزقة والمأجورون الذين يبيعون الكلمة قبل أن ينطقوا بها ويؤجرون ضمائرهم قبل أن يعلنوا مواقفهم فلا يحكمهم مبدأ ولا يقودهم شرف ولا يردعهم ضمير.
وحين تعجز بعض النفوس عن صناعة المجد لأنفسها تحاول عبثًا منازلة المجد في أهله فتستبدل لغة العقل بضجيج الكراهية وتستعيض عن الحقائق بالدعاية وتظن أن حملات التشويه قادرة على إطفاء شمسٍ اعتادت أن تشرق من قلب الإنجاز. غير أن التاريخ لا يحفظ أصوات الضجيج بل يحفظ آثار الرجال ولا يخلّد المرتزقة بل يطوي أسماءهم مع أول انطفاءٍ للأجرة.
والتاريخ كذلك لا يمنح صكوك الخلود لمن يرفع صوته بل لمن يرفع بنيانه. ولذلك بقيت السعودية العظمى شامخةً في مكانتها لأن قوتها لم تُبنَ على الشعارات بل على المنجزات ولم تستمد حضورها من التصفيق بل من الثقة والعمل والرؤية ووحدة القيادة والشعب.
ومعاداة السعودية العظمى ليست مواجهةً مع حاضرٍ مزدهر فحسب بل مجازفةٌ في ميدانٍ تقف فيه الذاكرة شاهدًا والجغرافيا برهانًا والإنجاز وثيقةً لا يطالها الإنكار. فمن يخاصم هذا الامتداد الحضاري إنما يبارز الوقائع بسيف الوهم ويطارد السراب في صحراء الحقائق لأن الدول العظيمة لا تُقاس بردود الأفعال بل بما تتركه من أثرٍ في حاضر العالم ومستقبله.
وهكذا يثبت الزمن في كل منعطف أن الدول الراسخة لا تُقاس بما يُقال عنها بل بما يبقى منها. أما السعودية العظمى فقد اختارت أن تكتب حضورها بالأفعال لا بالشعارات وأن تجعل من الاستقرار رسالة ومن البناء منهجًا ومن الإنسان محورًا للتنمية. ولذلك سيظل التاريخ يفتح أبوابه لمن صنع المجد ويغلقها في وجه المرتزقة والمأجورين وسماسرة الضمير وستبقى السعودية العظمى بإذن الله رايةً سامقة ودولةً عصيةً على الانكسار لأن الأوطان التي تتكئ على جذورٍ ضاربةٍ في العمق لا تهزها عواصف العداء بل تزيدها الأيام شموخًا وتألقًا ويبقى مجدها شاهدًا على أن التاريخ لا ينحاز إلا للعظماء.