النهار

٢٧ يوليو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٧ يوليو-٢٠٢٦       7370

بقلم ـ غازي العوني

لمدة تزيد عن 100 عام والشعب الفلسطيني يدفع ثمن صراع لم يختره. هي ليست سنوات تمر في كتب التاريخ، بل حياة كاملة عاشتها أجيال متعاقبة. جَدّ وُلد لاجئاً، وأبوه لاجئ، وابنه اليوم لا يزال يحمل نفس البطاقة ونفس الحلم بالعودة.

 

بدأت الحكاية تتغير مع وعد بلفور عام 1917. في ذلك الوقت كانت فلسطين تحت الانتداب البريطاني، أرض زراعية وتجارية يسكنها الفلسطينيون في مدن مثل يافا والقدس وحيفا ونابلس، ولهم قراهم وعاداتهم ومدارسهم. لكن الوعد بإقامة "وطن قومي" على أرضهم فتح الباب أمام موجات هجرة كبيرة. شيئاً فشيئاً تغيرت ملامح القرى، وبدأت الاحتكاكات. خرج الفلسطينيون في مظاهرات وإضرابات، وكانت ثورة 1936 الكبرى هي الصوت الأعلى. ستة أشهر من الإضراب العام وواجهها الانتداب بالقمع والاعتقالات. من هنا فهم الفلسطيني أن الدفاع عن الأرض سيكون طويلاً.

 

ثم جاءت النكبة في 1948. في ليلة واحدة تحولت الحياة. مع إعلان قيام دولة إسرائيل هُجّر قرابة 700 ألف فلسطيني من 500 قرية ومدينة. ناس تركت بيوتها بمفاتيحها ظناً منها أنها ستعود بعد أسبوع. انتهى الأمر بمخيمات في غزة والضفة ولبنان وسوريا والأردن. في المخيم ضاقت البيوت لكن الذاكرة اتسعت. الأمهات حفظن أسماء القرى لأبنائهن، والآباء علّقوا مفاتيح البيوت القديمة على الجدران. هكذا تحولت النكبة من حدث إلى هوية.

 

بعد 19 سنة فقط، في 1967، جاءت نكسة جديدة. احتُلت الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية. ودخل الفلسطيني الذي بقي في أرضه إلى مرحلة جديدة من الحواجز والتصاريح والاستيطان. بدأت المستوطنات تكبر على التلال، وتتغير الخرائط. المدارس صارت تُقفل، والطرق تُقطع، والاعتقالات صارت مشهداً يومياً. في المقابل ظهرت المقاومة الشعبية. انتفاضة الحجارة في 1987، ثم انتفاضة الأقصى في 2000. كانت صرخات تقول إن هذا الشعب لم ينسَ.

 

أما غزة فكان لها وجه آخر من المعاناة. منذ 2007 وهي تحت حصار مشدد براً وبحراً وجواً. مليونان ونصف يعيشون في مساحة ضيقة، مع انقطاع كهرباء، ونقص دواء، وبطالة عالية. وتتخلل ذلك حروب وتصعيدات متكررة تترك خلفها دماراً في البيوت والمستشفيات والمدارس. ومع ذلك، في كل مرة يخرج الناس من تحت الركام ليبنوا من جديد.

 

ما الذي يجعل هذه القضية مختلفة؟ هو الاستمرار. كثير من شعوب العالم عانت حروباً وانتهت. لكن هنا الاستهداف مستمر منذ قرن. جيل بعد جيل يولد في المخيم، يدرس في خيمة، يكبر وهو يسمع عن قرية اسمها لم يرها. هوية معلّقة بين "هنا" و"هناك". بين واقع صعب وحق يطالب به في كل المحافل الدولية.

 

ورغم كل ذلك لم يختفِ الفلسطيني. ما زالت اللهجة، والأكل، والحكايات، وشعر محمود درويش عن الأرض والمنفى، وصور مفاتيح البيوت حاضرة. الصمود نفسه صار شكلاً من أشكال المقاومة. التعليم في المخيمات، الجامعات، الكتابة، الفن، كلها كانت محاولات للقول: نحن ما زلنا هنا.

 

*الخاتمة*

في النهاية القضية ليست أرقام ضحايا أو خرائط سياسية. هي إنسان له بيت وحق في الأمان. قرن من الظلم يكفي لأن يفهم العالم أن تأجيل الحل لا يعني نسيان القضية. بل يعني أن الجرح سيبقى مفتوحاً، وينتقل من أب إلى ابن.

 

ويختمها شاعر الأرض

 محمود درويش

 بوصية الأب لابنه:

 

"وكان أبي  

وكان يقول لي  

يا ولدي  

لا تنسَ من أنت  

هنا بقيتم  

كي لا يضيع المكان"