النهار

٢٧ يوليو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٧ يوليو-٢٠٢٦       4015

بقلم- عبدالمحسن محمد الحارثي

كنتُ أظن أنني أستطيع أن أكتب عن الاتحاد كما يكتب الناقد عن أي نادٍ.

أن أضعه أمامي، لا في قلبي.

أن أزن مواسمه بميزانٍ لا ترجح فيه كفة العاطفة، وأن أرى ما له وما عليه، وأن أقول: هنا أصاب، وهنا أخطأ، وهنا يستحق المدح، وهنا لا بد من النقد.

كنت أظن.

ثم تذكرت أنني اتحادي.

وهنا، يا أيها الناقد الذي يسكنني، سامحني.

فقد جئتُ أكتب عن نادٍ، فإذا بي أكتب عن جزءٍ من ذاكرتي.

جئتُ أبحث عن فريق، فإذا بي أجد أباً كان يروي حكاياته، وابناً يرثها، ومدرجاً يفتح ذراعيه لجيلٍ بعد جيل.

جئتُ أضع الاتحاد على طاولة النقد، فإذا بي أضع قلبي عليها.

فكيف تريدني أن أكون محايداً؟

أنا لا أقول إن الاتحاد لا يخطئ.

حاشا للحب أن يكون عمىً كاملاً.

أنا أعرف أن للاتحاد ما يُنقد، وأن في مسيرته ما كان يمكن أن يكون أجمل، وأن في مواسمه ما ترك في النفس غصّة، وأن في قراراته ما جعل الاتحادي يضع يده على قلبه، ثم يقول: لماذا يا اتحاد؟

أعرف ذلك كله.

لكنني أعرف شيئاً آخر.

أنني حين أغضب منه، فإنني أغضب عليه.

وحين أنقده، فإنني أنقده من داخل الحب، لا من خارجه.

وحين أعاتبه، فإن العتاب نفسه دليلٌ على أن مكانه لم يتغير.

فالذي لا يعنيه الأمر لا يعاتب.

والذي لا يحب لا يحزن.

والذي لا ينتمي لا ينتظر.

وهنا، أيها الناقد في داخلي، اعذرني مرةً أخرى.

لقد حاولت أن أكون ناقداً، فسبقتني الذاكرة.

حاولت أن أكون موضوعياً، فتقدمت جدة.

حاولت أن أرى الاتحاد نادياً، فقال لي القلب: بل هو أكثر من ذلك.

هو ليس مجرد فريقٍ يرتدي قميصاً أصفر وأسود.

هو ذلك الصوت الذي يأتيك من بعيد، فتتغير ملامح يومك.

هو صورةٌ قديمة لا تزال تحتفظ بمكانها.

هو أبٌ كان يتحدث عنه، فتعلم الابن أن بعض الحب يُورّث كما تُورّث الأسماء.

هو صديقٌ جمعته بك المدرجات، وربما غاب عنك الناس وبقيت بينكما تلك الذكرى: كنا هناك… وكان الاتحاد يلعب.

هو جدة حين تتسع المدينة لأحلامها، وحين يعلو صوتها، وحين تعرف أن في قلبها نبضاً أصفر وأسود.

لهذا يقول الاتحادي:

الاتحاد قلب جدة النابض.

ولا يقولها مجازاً وحسب.

فالقلب لا يعني أنه لا يمرض.

ولا يعني أنه لا يضعف.

ولا يعني أنه لا يتعب.

لكن معناه أنه إذا توقف، تغيرت الحياة.

والاتحاد كذلك.

قد يتعثر، وقد يمرض، وقد تمر عليه مواسم ثقيلة، لكن شيئاً في جدة يظل ينتظر عودته إلى عافيته.

لأن الاتحاد ليس عابراً في المدينة.

إنه واحدٌ من الذين صنعوا ذاكرتها.

وحين يقول الاتحادي:

الاتحاد حياة.

فهو لا يدّعي أن الحياة كلها انتصارات.

الحياة فيها الفوز والخسارة.

فيها الصعود والتعثر.

فيها الفرح الذي يأتيك بلا موعد، والحزن الذي لا تستطيع أن تشرح سببه.

فيها أن تغضب ممن تحب، ثم تعود إليه.

فيها أن تقول: اكتفيت… ثم تجد نفسك في المباراة التالية واقفاً من جديد.

وهذا هو الاتحاد.

ليس فريقاً ننتظر فوزه كي نحبه.

نحن نحبه، ولذلك ننتظر فوزه.

وهنا تحديداً يضطرب ميزان النقد.

فالناقد يريد أن يسأل: ماذا حقق؟

والعاشق يسأل: ماذا يعني؟

والناقد يبحث عن الأرقام.

والعاشق يبحث عن الذاكرة.

والناقد يرى موسماً.

والعاشق يرى عمراً.

والناقد يرى مباراةً انتهت.

والعاشق يرى أباً وابناً وجيلاً كاملاً عاش تلك المباراة، وبقيت في ذاكرته إلى الأبد.

فأيّ الميزانين أعدل؟

لا أدري.

ولذلك، يا أيها الناقد الذي في داخلي، سامحني.

اليوم لن أطلب منك أن تنصف الاتحاد.

سأطلب منك فقط أن تفهمني.

أنا لا أقول إن الاتحاد فوق النقد.

بل أقول إن هناك لحظاتٍ يكون فيها النقد نفسه بحاجةٍ إلى أن يخلع معطفه، ويجلس قليلاً، ويستمع إلى القلب.

فالحب لا يلغي العقل.

لكنه يعلّمه أن بعض الأشياء لا تُقاس كلها بالعقل.

ولأنني هايم، فإنني أطلب من نفسي العذر.

فالهيام، في بعض أحواله، عذرٌ كافٍ.

وإن كان للنقد قلم، فللهيام ممحاة.

وإن كان للناقد ميزان، فللعاشق قلب.

وإن كان للمنطق حكمه، فللذكرى حكمٌ آخر.

لذلك أقولها صراحة:

مرفوعٌ عن الاتحاد قلم النقد؟

لا.

ليس الاتحاد مرفوعاً عن النقد.

لكنني، أنا الاتحادي، مرفوعٌ عن الحياد حين يتعلق الأمر بالاتحاد.

وهذه هي الحقيقة التي لا أملك أمامها إلا الاعتراف.

قد أنقده.

قد أغضب منه.

قد أعاتبه.

قد أقول له: أخطأت.

لكنني لن أقول له: لستَ لي.

فالاتحاد ليس فريقاً أذهب إليه.

الاتحاد مكانٌ أعود إليه.

ليس نادياً أشجعه.

إنه جزءٌ مني.

ليس شعاراً على قميص.

إنه شعارٌ في الذاكرة.

ليس تسعين دقيقة.

إنه سنوات.

وليس بطولةً فقط.

إنه أبٌ وابن.

ومدرجٌ ومدينة.

وصوتٌ قديم لا يزال قادراً على أن يجعل القلب شاباً.

لهذا، حين يسألني أحدهم: ما الاتحاد بالنسبة إليك؟

لا أجد إجابةً تليق بالسؤال.

فأقول:

هو قلب جدة حين ينبض.

وهو حياة الاتحادي حين تضيق به الحياة.

وهو ذلك الشيء الذي لا تستطيع أن تشرحه لمن لا يعرفه.

لأن بعض الأشياء تُفهم بالعيش، لا بالشرح.

وبعض الأندية تُشجَّع.

وبعضها يُحَب.

وبعضها يسكنك.

أما الاتحاد…

فهو من تلك الأشياء النادرة التي لا تعرف أين تنتهي علاقتك بها، وأين تبدأ هي فيك.

ولذلك، أيها الناقد الذي في داخلي…

اعذرني.

فقد حاولت أن أكتب عن الاتحاد بعين الناقد.

لكنني، في النهاية، كتبت عنه بقلب الاتحادي.

وما ذنبي؟

أنا فقط…

هايم.

والهايم، كما تعلم،

مرفوعٌ عنه قلم النقد.