النهار
بقلم - الدكتور سعود عقل
لم يعد الشرق الأوسط يعيش أزمة عابرة، بل يقف أمام مرحلة مفصلية قد تعيد رسم ملامح المنطقة لعقود مقبلة. فالتوترات العسكرية، وتداخل المصالح الدولية، وتسارع الأحداث السياسية، جعلت المنطقة في قلب الاهتمام العالمي، وأثبتت أن أي تطور فيها لم يعد شأنًا إقليميًا، بل قضية ذات انعكاسات اقتصادية وأمنية تمتد إلى مختلف دول العالم.
ورغم ضجيج المواجهات، فإن التجارب السياسية تؤكد أن القوة وحدها لا تصنع سلامًا دائمًا. فقد تنجح في حسم معركة، لكنها لا تنهي أسباب الصراع، ولا تبني الثقة، ولا تخلق مستقبلًا أكثر استقرارًا. ولهذا تبقى الدبلوماسية، مهما بدت بطيئة، الطريق الأقل كلفة والأكثر قدرة على تحقيق نتائج مستدامة.
وفي ظل هذا المشهد، تبرز أهمية الدور الذي تؤديه المملكة العربية السعودية، من خلال سياسة خارجية تقوم على التوازن، واحترام سيادة الدول، ودعم الحلول السياسية، والسعي إلى خفض التصعيد. وهو نهج لا يهدف إلى تحقيق مكاسب آنية، بل إلى ترسيخ بيئة إقليمية أكثر أمنًا واستقرارًا، بما يخدم شعوب المنطقة ويعزز فرص التنمية.
إن المتابع للمشهد السياسي يدرك أن المنطقة لم تعد تحتمل مزيدًا من الصراعات المفتوحة. فكل أزمة جديدة تعني ضغوطًا أكبر على الاقتصاد العالمي، وتهديدًا لحركة التجارة، وارتفاعًا في تكاليف الطاقة، فضلًا عن الأعباء الإنسانية التي يدفع ثمنها المدنيون أولًا.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام صناع القرار لا يكمن في إدارة الأزمات بعد وقوعها، بل في منعها قبل أن تتسع. فالدبلوماسية الوقائية، والحوار، وبناء الثقة، ليست شعارات سياسية، بل أدوات أثبتت التجارب أنها أكثر فاعلية من الحلول المؤقتة التي تؤجل المشكلة ولا تعالج جذورها.
إن المنطقة تمتلك من الإمكانات الاقتصادية والبشرية ما يؤهلها لأن تكون مركزًا للنمو والازدهار، لكن ذلك يظل مرهونًا بترسيخ الاستقرار، وإعلاء لغة العقل، وتغليب المصالح المشتركة على حساب منطق المواجهة.
واليوم، وبين اختبار القوة وفرصة السلام، يبقى السؤال الأهم: هل يتجه الشرق الأوسط إلى دورة جديدة من التصعيد، أم ينجح في تحويل هذه اللحظة الحرجة إلى نقطة انطلاق نحو استقرار أكثر رسوخًا؟ الإجابة لن تصنعها البيانات السياسية وحدها، بل ستصنعها الإرادة، والحكمة، والقدرة على تقديم المستقبل على حساب صخب اللحظة