النهار
بقلم- جمعان الكرت
حبُّ الوطن لا يعرف التجزئة، ولا يقبل القسمة. فكما أعشق المكان الذي وُلدت فيه، وأعتز بذكرياته وتفاصيله، فإنني أُحب بالقدر ذاته كل شبر من أرض وطننا الغالي. فالباحة في القلب، كما عسير، ونجد، وتهامة، والجوف، ونجران، وجازان، والشرقية، وحائل، والقصيم، وتبوك، والحدود الشمالية، وكل مدينة وقرية وهجرة تحتضنها هذه الأرض المباركة. فالوطن كالجسد الواحد، إذا ازدهر فيه موضع، عمّ الفرح أرجاءه كلها.
إن هذا المعنى العميق هو ما ينبغي أن نغرسه في نفوس أبنائنا وبناتنا في التعليم العام؛ ليشبّوا على أن الانتماء للوطن يسمو على كل انتماء، وأن الاعتزاز بالمنطقة التي ننتمي إليها لا يكتمل إلا بالاعتزاز بكل مناطق المملكة، فهي جميعًا صفحات من كتاب الوطن، وحبات في عقد واحد، لا يكتمل جماله إلا باجتماعها.
وتغمرني البهجة كلما شاهدت مدينة سعودية تنهض بمشروعاتها، وتتزين بمنجزاتها، وتعانق السماء عمرانًا وتنمية، فيما تمضي أخرى في المسار ذاته بخطى واثقة. إنها نهضة شاملة تمتد إلى مختلف القطاعات، تجسد رؤية وطن طموح آمن بقدراته واستثمر في إنسانه، حتى أصبحت التنمية لغة تتحدث بها المدن والقرى على حد سواء.
وما نشهده اليوم من ازدهار متسارع هو ثمرة عهد الخير والنماء، عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ـ حفظه الله ـ، وبدعم ومتابعة من سمو ولي عهده الأمين، صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ـ حفظه الله ـ، الذي يقود برؤية طموحة مسيرة تحول تاريخية جعلت المملكة نموذجًا عالميًا في التنمية والإنجاز.
ولقد شاءت الأقدار أن أقضي قرابة نصف عام في منطقة عسير، فكانت تجربة ثرية لا تزال تفاصيلها تسكن الذاكرة. لقد كنت بين أهلي وإخواني، حيث الوجوه البشوشة، والقلوب الكريمة، والنفوس التي تستقبل الزائر بالمحبة قبل السلام. وكانت عدسة هاتفي رفيقة أسفاري، توثق ما يملأ النفس دهشة وإعجابًا؛ من قمم شامخة، وقرى تراثية تنطق بالتاريخ، وقصور عريقة، ومزارع وارفة، وفعاليات ثقافية نابضة بالحياة، ومشاهد طبيعية تأسر الأبصار.
إن المملكة العربية السعودية لوحة جغرافية فريدة؛ تتنوع فيها التضاريس بين الجبال الشاهقة، والسهول الممتدة، والأودية الخصبة، والصحارى المهيبة، والسواحل الساحرة، كما تتباين مناخاتها في صورة تمنح كل منطقة شخصيتها الخاصة وجمالها المتفرد. وهذا التنوع ليس مجرد مظهر طبيعي، بل هو مصدر ثراء حضاري وسياحي وثقافي يعزز مكانة الوطن ويزيده تميزًا.
ويظل الشرف الأعظم أن هذا الوطن المبارك يحتضن أطهر بقاع الأرض؛ ففيه مكة المكرمة، مهوى أفئدة المسلمين، وفيها الكعبة المشرفة، وفيه المدينة المنورة التي تضم المسجد النبوي الشريف، حيث تهفو إليها قلوب المؤمنين من كل أصقاع الدنيا. إنها نعمة عظيمة اختص الله بها هذه البلاد، وزادها بها رفعة ومكانة بين الأمم.
ومهما حاولت الكلمات أن تصف هذا الوطن، فإنها تقف عاجزة أمام عظمته. لقد أكرم الله المملكة بقيادة حكيمة، وأمنٍ راسخ، وتنمية متواصلة، ومكانة دينية وإنسانية رفيعة، فأصبحت مصدر فخر لأبنائها، ومحل تقدير العالم، بينما يزداد كل حاقد غيظًا كلما رأى راية الوطن ترفرف عالية، وإنجازاته تتوالى، ومستقبله يزداد إشراقًا يومًا بعد يوم.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا، وأدام عليها نعمة الأمن والإيمان، والعزة والازدهار، وجعلها دائمًا وطنًا يفاخر به أبناؤه، ويفخر به كل من عرف قيمته ومكانته.