النهار

٢٠ يوليو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٠ يوليو-٢٠٢٦       48455

بقلم-أ. تركي عبدالرحمن البلادي 

حين نتحدث عن السياحة في المملكة العربية السعودية، فإننا لا نتحدث عن قطاع اقتصادي فحسب، بل عن مشروع وطني يقود أحد أهم التحولات التي تشهدها البلاد في ظل رؤية السعودية 2030. فقد استطاعت المملكة خلال سنوات قليلة أن ترسم مكانتها على خارطة السياحة العالمية، عبر مشاريع عملاقة، وبنية تحتية متطورة، وتشريعات جاذبة للاستثمار، حتى أصبحت وجهة تستقطب ملايين الزوار من مختلف أنحاء العالم.

ولا شك أن ما تحقق حتى اليوم جاء نتيجة رؤية واضحة، ودعم حكومي كبير، وعمل مؤسسي متواصل أسهم في بناء قاعدة صلبة لهذا القطاع الواعد. إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب انتقالًا إلى مستوى جديد من الشراكة، يكون فيه القطاع الخاص أكثر حضورًا وتأثيرًا، وأكثر قدرة على تحويل الفرص إلى مشاريع نوعية تضيف قيمة حقيقية للاقتصاد الوطني.

فالمدينة المنورة، على سبيل المثال، تستقبل ملايين الزوار سنويًا، وتمتلك مقومات دينية وتاريخية وثقافية تجعلها واحدة من أهم الوجهات السياحية في العالم الإسلامي. ورغم ذلك، لا تزال الفرص الاستثمارية فيها كبيرة، سواء في الضيافة، أو الترفيه، أو المرافق السياحية، أو التجارب الثقافية، أو المشاريع التي تعزز جودة رحلة الزائر وتطيل مدة إقامته. وينطبق الأمر ذاته على العلا، والطائف، وعسير، والباحة، وجازان، والأحساء، وحائل، وسواحل البحر الأحمر، وغيرها من الوجهات التي تمتلك مقومات استثنائية تستحق استثمارات أكبر وأكثر تنوعًا.

إن المطلوب اليوم ليس زيادة عدد الفنادق أو المنتجعات فقط، بل صناعة تجربة سياحية متكاملة، تبدأ من جودة الخدمات، وتمر بالأنشطة والفعاليات، وتنتهي بانطباع إيجابي يجعل الزائر سفيرًا للمملكة بعد عودته إلى بلاده. وهذه المهمة لا يمكن أن تعتمد على الجهود الحكومية وحدها، بل تحتاج إلى مبادرات استثمارية جريئة يقودها القطاع الخاص، بما ينسجم مع الطموحات الوطنية.

وفي هذا السياق، يبرز الدور المنتظر من المصارف والبنوك والشركات الوطنية الكبرى. فهذه المؤسسات تمتلك الإمكانات المالية والخبرات الاستثمارية التي تؤهلها لتكون شريكًا حقيقيًا في صناعة السياحة، من خلال إنشاء صناديق استثمار متخصصة، وتمويل المشاريع السياحية، والدخول في شراكات استراتيجية لتطوير الوجهات، ودعم رواد الأعمال، ورعاية الفعاليات والمبادرات التي تعزز جاذبية المدن السعودية. إن حضور هذه الجهات يجب أن يكون أكثر وضوحًا وفاعلية، بما يعكس حجمها الاقتصادي ومسؤوليتها الوطنية، فالسياحة ليست قطاعًا ترفيهيًا فحسب، بل استثمار طويل الأمد في الاقتصاد، وفرص العمل، وجودة الحياة، وصورة المملكة أمام العالم.

لقد هيأت الدولة البيئة النظامية، وأطلقت المبادرات، ووفرت البنية التحتية، وفتحت أبواب الاستثمار، وأصبح الدور الآن على القطاع الخاص ليواكب هذا الزخم برؤية طموحة واستثمارات نوعية. فكل مشروع ناجح، وكل تجربة مميزة، وكل استثمار مبتكر، يسهم في ترسيخ مكانة المملكة كوجهة سياحية عالمية.

إن نجاح السياحة السعودية لن يُقاس بعدد الزوار فقط، بل بقدرة الجميع على المشاركة في صناعة هذا النجاح. وعندما يصبح القطاع الخاص، والمصارف، والبنوك، والشركات الكبرى، شركاء فاعلين في بناء الوجهات السياحية وتطويرها، فإن المملكة لن تحقق مستهدفات رؤية 2030 فحسب، بل ستؤسس نموذجًا عالميًا يؤكد أن التنمية الحقيقية تقوم على تكامل الأدوار، وأن الشراكة الوطنية هي الطريق الأقصر نحو مستقبل أكثر ازدهارًا.