النهار

٢٠ يوليو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٠ يوليو-٢٠٢٦       5335

بقلم -عبدالله الكناني 
*منطقة الباحة* لم تعد مجرد وجهة يقصدها المصطافون هربًا من حرارة الصيف، بل أصبحت نموذجًا تنمويًا يتشكل عامًا بعد عام، يجمع بين جمال الطبيعة، وأصالة الموروث، وحيوية الاستثمار، وتنوع الفعاليات. فمن يزور  الباحة  اليوم يلحظ حجم التحول الذي تشهده المنطقة، ويشاهد مشاريع جديدة تتنامى في مختلف المحافظات، وفعاليات تتوزع على امتداد مدنها ومراكزها، في مشهد يعكس حراكًا تنمويًا متسارعًا يتناغم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.

ولم يعد النشاط السياحي مقتصرًا على الغابات والمرتفعات والضباب الذي يعانق القمم، بل اتسعت دائرة التنمية لتشمل مشاريع خدمية واستثمارية وسياحية، ومنتزهات حديثة، ومزارع ترفيهية، ومنشآت ضيافة وإيواء، إلى جانب توسع ملحوظ في استثمارات القطاع الخاص، ومبادرات القطاع غير الربحي، بما أسهم في تنويع الخيارات أمام الزائر، وخلق فرص اقتصادية جديدة لأبناء المنطقة.

كما تشهد *محافظات الباحة* حراكًا ثقافيًا وتراثيًا متناميًا من خلال المهرجانات والفعاليات الشعبية، والأسواق التراثية، والبرامج التي تعكس هوية المنطقة وتاريخها. 
وتعمل المحافظات والبلديات والجهات المنظمة على إبراز *الموروث الشعبي* بصورة حضارية تواكب تطلعات الزوار، وتحافظ في الوقت ذاته على أصالة المكان وقيمه الثقافية.

ومع هذا التطور المتسارع، تبقى *البنية التحتية* حجر الأساس لاستدامة النجاح. فالزائر الذي اعتاد مستوى متقدمًا من الخدمات في المدن الكبرى يتطلع إلى التجربة ذاتها في الوجهات السياحية، بدءًا من الطرق والمواقف، ومرورًا بالخدمات الرقمية، وانتهاءً بجودة المرافق العامة. فالبنية التحتية لم تعد خدمات مساندة فحسب، بل أصبحت عنصرًا رئيسًا في نجاح الاستثمار، ورفع جودة الحياة، وتعزيز تجربة السائح والمقيم.

وفي هذا السياق، *يستحق صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور حسام بن سعود بن عبدالعزيز، أمير منطقة الباحة، وسمو نائبه الأمير فهد بن سعد، كل التقدير لما يبذلانه من جهود ملموسة في متابعة المشاريع التنموية، وتحفيز الجهات الحكومية والخاصة على الارتقاء بمستوى الخدمات، وقد أصبح أثر هذه الجهود واضحًا في التحسن المتواصل الذي تشهده المنطقة عامًا بعد عام في مختلف القطاعات*.

ومن أبرز مظاهر هذا التحسن التطور الملحوظ في خدمات *الاتصالات والإنترنت*، إلا أن الطموح لا يزال يتجه نحو التوسع السريع في إيصال *شبكات الألياف البصرية (الفيبر)* إلى جميع المحافظات والقرى والمواقع السياحية. 
فقد أصبحت هذه الخدمة ضرورة تنموية، لما تمثله من أهمية في التعليم والعمل عن بُعد، والتجارة الإلكترونية، والخدمات الحكومية، والتسويق السياحي، وإدارة المنشآت الفندقية، وجذب الاستثمارات، وتمكين رواد الأعمال.

*ولا تكتمل منظومة النجاح السياحي دون برامج نوعية تستقطب مختلف شرائح المجتمع*. 
فالأنشطة الثقافية والفنية والرياضية والترفيهية أصبحت اليوم من أهم عناصر الجذب السياحي عالميًا، والباحة تمتلك المقومات التي تؤهلها لاستضافة فعاليات كبرى على مدار الموسم، بالشراكة مع قطاعات الثقافة، والترفيه، والرياضة، والسياحة، بما يسهم في تنويع التجربة السياحية، وإطالة مدة إقامة الزائر، وتعظيم العائد الاقتصادي للمنطقة.

كما أن *توزيع الفعاليات* على جميع المحافظات يمنح كل محافظة فرصة لإبراز هويتها الثقافية والسياحية، ويحقق تنمية أكثر توازنًا، ويتيح للزائر اكتشاف التنوع الكبير الذي تتميز به الباحة، بدلاً من اقتصار الحركة السياحية على مواقع محددة.

وتبرز المعارض الزراعية، وأسواق الأسر المنتجة، ومعارض الحرف اليدوية بوصفها رافدًا اقتصاديًا وثقافيًا مهمًا، فهي لا تعرض منتجات المنطقة فحسب، بل تقدم تجربة متكاملة تعكس هوية المجتمع المحلي، وتسهم في دعم المزارعين والحرفيين والأسر المنتجة، وتعزز الاقتصاد المحلي، ويمكن تطويرها لتصبح منصات تسويقية مستدامة تستقطب المستثمرين والزوار طوال العام.

ويبقى *التسويق الاحترافي* حجر الزاوية في نجاح أي موسم سياحي؛ فنجاح الفعاليات لا يقاس بعددها فقط، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الجمهور المستهدف في الوقت المناسب،ومن هنا تبرز أهمية وجود *خطة إعلامية وتسويقية موحدة*، تقودها الجهات المختصة بالشراكة مع وسائل الإعلام الوطنية، ومنصات التواصل الرسمية، وصناع المحتوى المتخصصين، لتقديم صورة متكاملة عن *الباحة*، بعيدًا عن الجهود الفردية التي تبقى محدودة الأثر مهما بلغت أهميتها.

واليوم تمتلك *الباحة* جميع المقومات التي تؤهلها لتكون إحدى أبرز الوجهات السياحية والتنموية في المملكة؛ فهي تجمع بين الطبيعة الآسرة، والمناخ المعتدل، والإرث التاريخي والثقافي العريق، والمنتجات الزراعية المتميزة، والاستثمارات المتنامية، والحراك التنموي المتسارع. وما تحتاج إليه المرحلة المقبلة هو استمرار التكامل بين تطوير البنية التحتية، وتعزيز جودة الخدمات، واستقطاب الفعاليات الكبرى، وتحفيز الاستثمار، وتسويق المنطقة وفق رؤية احترافية مستدامة تجعل حضورها ممتدًا في المشهد السياحي المحلي والإقليمي طوال العام.

إن ما تشهده *منطقة الباحة* اليوم يؤكد أنها تمضي بثقة نحو مستقبل سياحي وتنموي واعد، مدعومة برؤية المملكة 2030، وبمتابعة واهتمام القيادة الرشيدة، وجهود سمو أمير المنطقة وسمو نائبه، وتكامل أدوار الجهات الحكومية والخاصة وغير الربحية. ويبقى الرهان الحقيقي على مواصلة التطوير، وتسريع تنفيذ مشروعات البنية التحتية، وتعزيز الاستثمار، واستقطاب الفعاليات النوعية، وتسويق المنطقة باحترافية تواكب مكانتها وإمكاناتها. وعندها لن تكون  الباحة  وجهة صيفية فحسب، بل نموذجًا وطنيًا رائدًا للتنمية السياحية المستدامة، ووجهة يقصدها الزائر في جميع فصول العام.