النهار السعودية

١٠ يونيو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار السعودية
التاريخ: ١٠ يونيو-٢٠٢٦       4345

بقلم - عبد الناصر بن علي الكرت

لم يعد الحديث عن الحالة الذهنية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقتصراً على خصومه السياسيين أو وسائل الإعلام المعارضة، بل أصبح موضوعاً مطروحاً داخل أروقة الكونغرس نفسه، وفي أوساط مواطنين أمريكيين يشعرون بالقلق من طبيعة القرارات التي تُتخذ في واحدة من أقوى دول العالم.
وقد تجلّى ذلك بوضوح عندما سألت النائبة الديمقراطية سارة جاكوبس وزير الدفاع بيت هيغسيث بشكل مباشر عن مدى أهلية الرئيس العقلية لقيادة القوات المسلحة الأمريكية، في نقاش أثار اهتماماً واسعاً داخل الولايات المتحدة وخارجها. واللافت في الأمر أن الوزير لم يقدم إجابة مباشرة وحاسمة تنهي الجدل، بل اتجه إلى الرد بأسئلة مضادة وانتقادات سياسية، الأمر الذي أثار شكوك الآخرين عن حالة الرئيس فعلياً.
ومصدر القلق لدى كثير من الأمريكيين لا يعود إلى موقف سياسي مجرد، بل إلى سلسلة من التصريحات والانفعالات والمنشورات التي يصفها منتقدوه بأنها متناقضة وغير منضبطة. وفي عالم السياسة قد يُغفر الكثير من الجدل والخطابات الصاخبة، لكن الأمر يختلف عندما يتعلق الأمر برئيس يمتلك سلطة اتخاذ قرارات قد تؤثر في السلم العالمي والاقتصاد الدولي وحياة ملايين البشر.
حيث يذهب بعض المحللين والكتّاب إلى القول إن بعض تصرفات ترامب وخطاباته تبين اضطرابات في الشخصية بما يسمى "جنون العظمة". وهي في إطار التقديرات النفسية، لكن انتشار هذه التساؤلات بهذا الحجم يعد ظاهرة سياسية مهمة تستحق الوقفة والتأمل.
والسؤال الأخطر لا يتعلق بما إذا كان ترامب يعاني فعلاً من اضطراب نفسي أم لا، بل يتعلق بما قد يحدث لو كان هذا الاحتمال صحيحاً. فالعالم اليوم يواجه أزمات عسكرية واقتصادية متشابكة، والولايات المتحدة تمتلك أكبر قوة عسكرية ونفوذاً سياسياً واسعاً. وفي مثل هذا الواقع يصبح الاستقرار الانفعالي والاتزان في اتخاذ القرارات ضرورة استراتيجية وليست مجرد صفة شخصية.
فالتاريخ يعلمنا أن أخطاء القادة الكبار لا تبقى محصورة داخل حدود دولهم. لأن أي قرار متسرع أو تقدير خاطئ أو اندفاع غير محسوب، قد تكون له انعكاسات تتجاوز القارات وتؤثر في الاقتصاد والأمن العالميين. ولهذا فإن التساؤل عن أهلية الرئيس ليس إساءة ولا تشهيراً، بل جزء من حق المجتمع في الاطمئنان إلى أن من يمتلك سلطة القرار المصيري قادر على ممارستها بأعلى درجات الحكمة والاتزان.
فالمخاوف تتجاوز الاختلافات السياسية إلى ما يُشاهد 
، من مواقف وما يسمع من تصريحات تتبدل أحياناً خلال أيام قليلة، بل وربما خلال ساعات..بصورة تجعل المتابعين يتساءلون: هل نحن أمام استراتيجية سياسية مدروسة، أم أمام حالة من الاضطراب في تقدير الوقائع.
فالسياسي قد يغيّر موقفه استجابة لمعطيات جديدة أو ضغوط داخلية وخارجية، لكن ما يثير القلق هو أن تأتي التصريحات المتناقضة بشأن القضية نفسها دون ظهور متغيرات جوهرية تبرر هذا التحول السريع. فعندما يسمع الرأي العام موقفاً حاسماً اليوم، ثم يسمع نقيضه غداً، ثم يرى عودة جزئية إلى الموقف الأول بعد ذلك، فإن التساؤلات تصبح أمراً طبيعياً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر برئيس الدولة الأكثر تأثيراً في النظام الدولي.
ولعل ما يزيد من حدة الجدل أن هذه التناقضات لا تقتصر على ملفات ثانوية، بل تمتد أحياناً إلى قضايا استراتيجية تتعلق بالعلاقات الدولية والحروب والاقتصاد والأمن القومي. وهنا يبرز السؤال الذي يشغل بال كثير من الأمريكيين وغير الأمريكيين: هل تعكس هذه المواقف المتغيرة أسلوباً تفاوضياً غير تقليدي، أم أنها مؤشر على حالة الرئيس التي تؤثر بالتأكيد في سلامة التقدير واتزان الأحكام، وهنا يكمن الخطر الذي يهدد العالم أجمع.