النهار
بقلم ـ د. مها ياسر
خفض الرواتب: الحل الأسهل… وصندوق الطوارئ لمشكلة لم يصنعها الموظف.
في كل مرة تواجه فيها شركة ضغوطًا مالية أو تراجعًا في الأرباح، يتكرر المشهد نفسه تقريبًا:
اجتماعات مطولة للإدارة العليا، مراجعات للميزانيات، تحليلات للأرقام، ثم ينتهي الأمر غالبًا إلى القرار الأسرع:
خفض الرواتب أو الاستغناء عن الموظفين.
وكأن راتب الموظف أصبح صندوق الطوارئ الرسمي للشركة، يتم اللجوء إليه كلما تعثرت الإيرادات أو أخفقت الخطط أو تراجعت المبيعات.
المفارقة أن الموظف الذي يُطلب منه تحمل تكلفة الأزمة غالبًا لم يكن جزءًا من القرارات التي صنعتها.
يقول رائد الإدارة الحديثة بيتر دراكر:
“لا يوجد ما هو أكثر هدرًا من تنفيذ شيء بكفاءة عالية كان من الأفضل ألا يُنفذ من الأساس.”
كثير من المؤسسات تنفذ خفض الرواتب بكفاءة وسرعة، لكنها لا تسأل السؤال الأهم:
هل المشكلة في الرواتب فعلًا؟ أم في طريقة إدارة الإيرادات والنمو؟
نعم، في أغلب الشركات — خصوصًا في القطاعات الخدمية — تمثل الرواتب ما بين 40% إلى 70% من إجمالي التكاليف التشغيلية.
وهذه حقيقة مالية وإدارية لا يمكن إنكارها.
لكن تحويل هذه الحقيقة إلى مبرر تلقائي لتسريح الموظفين أو خفض رواتبهم هو أحد أكثر الأخطاء الاستراتيجية شيوعًا في عالم الأعمال.
إن التركيز على بند الرواتب باعتباره المشكلة الرئيسية قد يدفع الإدارة إلى معالجة الأعراض بدلًا من معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة.
فقد تكون المشكلة في ضعف المبيعات، أو تراجع القدرة التنافسية، أو سوء التسعير، أو غياب الابتكار، أو فقدان فهم احتياجات العملاء المتغيرة.
لكن بدلاً من مواجهة هذه التحديات المعقدة، يتم اللجوء إلى الخيار الأسرع والأقل جهدًا: تقليص تكلفة العنصر البشري.
نعم، تنخفض الأرقام على الورق مؤقتًا…
لكن قد تنخفض معها الإنتاجية والالتزام والجودة والقدرة على النمو مستقبلًا.
يقول جاك ويلش:
“إذا لم تكن لديك ميزة تنافسية، فلا تنافس.”
وهو ما يعني أن علاج المشكلات المالية لا يكون دائمًا من داخل كشوف الرواتب، بل من تطوير الميزة التنافسية، وتحسين المنتج، والتوسع في الأسواق، والابتكار في الوصول إلى العملاء.
خفض الرواتب للاسف غالبًا ما يكون الحل الأسهل لأنه لا يحتاج إلى:
* تطوير منتج جديد.
* دخول سوق جديد.
* إعادة تصميم تجربة العميل.
* استثمارات في الابتكار.
* مراجعة نموذج الأعمال بالكامل.
كل ما يحتاجه خفض الرواتب هو قرار إداري وتعميم داخلي.
لكن هل هو القرار الصحيح؟
يقول المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافيت:
“السعر هو ما تدفعه، أما القيمة فهي ما تحصل عليه.”
وعندما تنظر الإدارة إلى الموظف باعتباره “تكلفة” فقط، فإنها تتجاهل القيمة التي يمثلها:
* المعرفة المتراكمة.
* الخبرة العملية.
* العلاقات مع العملاء.
* الثقافة المؤسسية.
* القدرة على التنفيذ.
* الولاء التنظيمي.
وهي أصول قد لا تظهر في الميزانية، لكنها من أهم أسباب نجاح الشركات واستمرارها.
كما تؤكد العديد من الدراسات في مجال الموارد البشرية أن موجات التسريح العشوائية كثيرًا ما تؤدي إلى انخفاض الالتزام الوظيفي والإنتاجية وارتفاع معدلات دوران العمالة بين الكفاءات المتبقية.
يقول مؤسس شركة ساوث ويست إيرلاينز Herb Kelleher:
“ضع موظفيك أولًا، وسيضع موظفوك العملاء أولًا، وسيرجع العملاء مرة أخرى.”
هذه الفلسفة هي التي صنعت شركات عملاقة قادرة على تجاوز الأزمات دون أن تجعل الموظف أول ضحاياها.
فالإدارة الذكية لا تسأل:
“كم موظفًا يمكننا الاستغناء عنه؟”
بل تسأل:
“كيف نجعل كل موظف يساهم في خلق قيمة أكبر؟”
في النهاية…
قد يكون خفض الرواتب هو الحل الأسرع.
وقد يكون الأسهل.
لكنه نادرًا ما يكون الأكثر استدامة.
لأن الشركات لا تنمو بتقليص أحلام موظفيها، بل بتوسيع فرصها في السوق.
ولأن علاج ضعف الإيرادات يجب أن يبدأ من السوق والعملاء والابتكار…
لا من راتب الموظف.
الخلاصة
**الشركات العظيمة لا تبني أرباحها من جيوب موظفيها… بل من قدرتها على خلق قميه اكبر لعملائها!