النهار
بقلم ـ غازي العوني
الماضي ليس متهماً نُصدر عليه الأحكام، بل هو المعلم الأول الذي نتعلم منه. فيه جراحٌ نعم، لكن في كل جرحٍ درس، وفي كل عثرةٍ حكمة. إن أوجعك، فخذه بيدك لا بسوطك. القلوب التي تصالحت مع ماضيها هي وحدها القادرة على السير.
وأما الحاضر، فهو الأمانةُ التي بين أيدينا وتستحق رعايتنا الآن. لا تؤجّل خيراً تستطيعه اليوم، ولا تُحمّل نفسك وزر العالم كله. أصلح ما بين يديك: كلمة طيبة، عدلٌ في موقف، يدٌ تمتد للبناء. إصلاح الحاضر لا يحتاج ضجيجاً، بل يحتاج قلباً حيّاً يرى الألم فيخففه.
والمستقبل هو مصيرُ بنائنا للحاضر. نُربيه بالرعاية الحكيمة لا بالخوف، نغرس فيه الأمل لا اليأس. نبنيه حين نزرع شجرةً لن يجلس في ظلها أحدٌ منّا، وحين نُعلّم صغيراً أن الكرامة حقٌ لكل إنسان.
فكن كالغيث: يروي ولا يجرح، ويُحيي ولا يهدم. خذ من الماضي مصباحاً لا قيداً، ومن الحاضر ميداناً لا منفى، ومن المستقبل وعداً لا وعيداً. فإن الإنسانية لا ترتقي بسياط الجلّادين، بل بأيادي الذين يغرسون ويعمرون. وما نحن إلا زرّاعٌ في أرض الله، نحصد غداً ما نغرسه اليوم من رحمةٍ وحكمة.