النهار

٠٩ يونيو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٩ يونيو-٢٠٢٦       3190

بقلم ـ جمعان الكرت

أثارَت قصيدة الشاعر الشعبي الكبير الدكتور محمد حوقان المالكي جدلًا واسعًا بين مؤيد ومعارض ومختلف في فهم دلالاتها، وهو أمرٌ يؤكد في المقام الأول أن شعر العرضة ما زال يحتفظ بمكانته الراسخة وتأثيره العميق في المجتمع، وأنه لا يزال حاضرًا في الوجدان الشعبي رغم تغير الأزمنة وتبدل الوسائل. وقد أسهمت وسائل التواصل الحديثة في توسيع دائرة الانتشار، فأصبح البيت الشعري ينتقل في لحظات إلى آلاف المتلقين، وتتعدد حوله القراءات والتفسيرات.

ومن الجوانب اللافتة في هذه القضية المكانة الشعرية التي يحظى بها الدكتور محمد حوقان المالكي، وما يمتلكه من قدرة بلاغية وحضور إبداعي متميز، ولا سيما في شعر العرضة الذي يتطلب سرعة بديهة وحسن سبك وقوة تعبير. فشاعر العرضة ينسج قصيدته بدعًا وردًا في ثوانٍ معدودة أمام الجمهور، وهي موهبة نادرة لا تتأتى إلا لمن جمع الله له الموهبة والخبرة والتمكن.

‎ومن هنا يحسن التذكير بالعلاقة التاريخية والاجتماعية الوثيقة التي تجمع قبيلتي غامد وزهران؛ فهما فرعان من أصل واحد، تجمعهما وحدة النسب والجوار والتاريخ . وإذا مُدح أحدهما فكأنما مُدح الآخر، وإذا ذُكر مجد إحدى القبيلتين فإن الأخرى شريكة في ذلك المجد بحكم ما بينهما من وشائج القربى وأواصر المحبة.

وتُعد زهران من القبائل العربية العريقة التي سطرت حضورها في صفحات التاريخ، ويكفيها شرفًا أن من أبنائها الصحابي الجليل أبو هريرة عبدالرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه، إلى جانب شخصيات تاريخية بارزة مثل الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه، وغيرهم من الرجال الذين تركوا بصماتهم المضيئة في التاريخ الإسلامي والعصر الراهن .

وكذلك غامد، فقد حفظ التاريخ مآثر أبنائها ومواقفهم المشهودة، ومنهم سفيان بن عوف وأبو ظبيان الأعرج، وغيرهم من الرجال الذين كُتبت أسماؤهم بحروفٍ من نور، وخلّد التاريخ مآثرهم ومناقبهم جيلاً بعد جيل. وقد زاد من متانة العلاقة بين القبيلتين تقاربهما الجغرافي، وانتشار قراهما على جبال السراة وفي تهامة ونجد العقيق، فضلًا عن روابط المصاهرة والرحم والتعاون الاجتماعي التي تعمقت عبر الأجيال.

إن ما يجمع  زهران وغامد  أكبر من أي اجتهاد عابر أو تفسير محدود، فالمحبة المتبادلة والتاريخ المشترك والقيم الأصيلة من كرم وشهامة ونخوة واحترام متبادل تمثل أساسًا متينًا لهذه العلاقة الراسخة. ومن الحكمة أن تُقرأ النصوص الشعرية في إطارها الصحيح، وأن يُحسن الظن بالشعراء وأصحاب الكلمة، وأن تُقدَّم لغة العقل والحوار على التسرع في إصدار الأحكام.

‎ولعل من أجمل ما يمكن أن تثمره مثل هذه النقاشات أنها تذكرنا بأهمية المحافظة على وحدة المجتمع وتماسكه، وأن الاختلاف في الفهم لا ينبغي أن يتحول إلى خلاف في القلوب، فالمجتمعات القوية تُبنى على الاحترام المتبادل، وعلى إدراك أن الروابط الإنسانية والاجتماعية أعمق من أي تأويل عابر.

وفي الختام، تحية تقدير واحترام للشاعر الدكتور محمد حوقان المالكي على ما أوضحه من حيثيات ومعانٍ تتعلق بقصيدته، وتحية لكل من تعامل مع الموضوع بروح المسؤولية وحسن النية. فالكلمة الجميلة تجمع ولا تفرق، والمحبة الصادقة تبقى أقوى من كل خلاف، وستظل العلاقة بين غامد وزهران نموذجًا للأخوة والتلاحم والتاريخ المشترك الذي يبعث على الفخر والاعتزاز