النهار
بقلم - طارق محمود نواب
لا يأتي رمضان ليضيف يومًا إلى أعمارنا، بل ليعيد ترتيبها من الاعماق.
فهو الشهر الذي لا يسألنا كم بقي من الوقت؟ بل يهمس في أعماقنا أين قلبك الآن؟
وفي عالمٍ اعتاد أن ينظر إلى المعصم أكثر مما ينظر إلى المعنى، يأتي رمضان كوقفة وجودية، لا ليوقف الزمن، بل ليُعيد ضبط البوصلة التي تاهت وسط السرعة والضجيج.
فنعيش أغلب أيامنا أسرى للساعة. نلاحق العقارب، نُجزّئ اليوم إلى مواعيد، ونقيس أنفسنا بعدد ما أنجزنا، لا بعمق ما فهمنا.
فصار المعصم سيّد القرار، وصار القلب تابعًا متأخرًا، لا يُستشار إلا بعد أن يرهق.
فحتى لحظات الراحة صارت مُجدولة، والتأمل صار ترفًا، والسكينة مؤجلة إلى إشعارٍ آخر.
ثم يأتي رمضان… فيكسر هذا النمط المتحجّر بلطفٍ عميق.
ففي رمضان، لا يتغير الزمن، لكن يتغير إحساسنا به. فتتباطأ الحركة اليومية، ويعلو الصوت الوجداني.
فنفهم فجأة أن المشكلة لم تكن في قلّة الساعات، بل في تشوّش الوجهة.
فكم من وقتٍ وفير ضاع لأن القلب لم يكن حاضرًا، وكم من لحظةٍ قصيرة صنعت أثرًا لأنها عُيشت بصدق.
فشهر الخير يعيد تعريف الصيام بوصفه تمرينًا على السيادة الذاتية.
سيادة يولدها الإدراك، لا العنف مع الذات.. فنمتنع لا لأننا عاجزون، بل لأننا مختارون.
وهنا يبدأ ضبط القلب. حين يتقدّم القلب على المعصم، يصبح الامتناع معنى، ويصير الانتظار عبادة، ويتحوّل الصمت إلى لغة تفهمها الروح.
ففي هذا الشهر، نتعلّم أن التوقّف ليس خسارة، وأن البطء ليس فشلًا، وأن بعض المسافات لا تُقطع بالسرعة، بل بالثبات.
ونكتشف أن القلب حين يُضبط، يستقيم معه كل شيء، الفكر، والقرار، والعلاقة، وحتى الوقت نفسه.
فالقلب هو الساعة الحقيقية، إن صلح، انتظم الإيقاع، وإن اختلّ، عبثت بنا الدقائق.
فرمضان لا يُصلح علاقتنا بالله فحسب، بل يُهذّب علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين.
فنصبح أقل اندفاعًا في الأحكام، وأكثر إنصاتًا في الحوارات.
حيث نرى الناس بعيون أهدأ، ونفهم أن كثيرًا من القسوة سببها استعجال باطني لا ننتبه له.
وحين يهدأ القلب، تتسع مساحات الرحمة، ويخفّ التوتر، ويصبح الصبر خلقًا حيًّا لا شعارًا.
فحتى النجاح يعيد رمضان تعريفه. فلم يعد سباقًا، ولا لائحة إنجازات، بل اتزانًا عميقًا بين الفعل والمعنى.
فننجز أقل أحيانًا، لكننا نحيا أكثر. حيث نعمل بهدوء، ونختار بوعي، ونعرف أن الحياة ليست عدد الأيام، بل جودة الحضور فيها .
فشهر رمضان لا يدعوك إلى هجر الزمن، بل إلى مصادقته، وإلى أن تعيد ضبطه من الجوهر، لا أن تظلّ أسيرًا له.
وبأن تجعل القلب مرجع القرار، لا تابعًا مُرهقًا لإيقاعٍ لا يرحم.
فحين يستقيم القلب، ينتظم الزمن من تلقاء نفسه، وتغدو الأيام أصفى، والخطوات أوضح، والطريق أكثر صدقًا واتزانًا.