النهار

٢٤ فبراير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ فبراير-٢٠٢٦       17160

بقلم - طارق محمود نواب

لا يدخل رمضان إلى حياتنا كضيفٍ عابر، بل كمرآةٍ صادقة تُعاد أمامها الأسئلة الأولى. ففي حضوره تتباطأ الخطوات، لا لأن الزمن تغيّر، بل لأن وعينا به استيقظ. فيصبح اليوم أقل ازدحامًا بالأشياء، وأكثر امتلاءً بالمعنى، فنكتشف أن ما كان يرهقنا لم يكن ثقل الوقت، بل سوء ترتيبه في اعماقنا.

فشهر رمضان لا يطالبنا بالمزيد، بل يدعونا إلى تهذيب الإيقاع. إلى أن نضع ما أثقلنا جانبًا، ونفصل بين ما نحتاجه  وما اعتدناه بلا تفكير. فهو شهر يعيدنا إلى المسافة الصحيحة بين الرغبة والحاجة، بين الصوت والسكينة، بين الفعل وردّ الفعل. وفي هذه المسافة تبدأ أولوياتنا في الاصطفاف دون ضجيج.

وفي هذا الشهر، تتعرّى العجلة من مبرراتها، ويخفت صخب التبرير. فنرى انشغالنا السابق على حقيقته، ونفهم أن بعض التعب لم يكن ضرورة، بل خيارًا لم نراجعه. ومع الصيام، لا نجوع عن الطعام فقط، بل عن الفوضى، وعن الاستهلاك الزائد للحياة، فنستعيد قدرتنا على الاختيار.

فإعادة جدولة الحياة في رمضان ليست فعل تنظيم، بل فعل وعي. بأن نعيد النظر في علاقتنا بالوقت، وبالناس، وبأنفسنا. وبأن نمنح ما يستحق حضوره حقه، وأن نؤجّل ما لا ضرورة له بلا شعور بالذنب. فالقيمة هنا لا تُقاس بالكم، بل بالعمق، ولا بالسرعة، بل بالاتجاه.

وفي لياليه، حين يخفت ضجيج العالم، تتّسع مساحة البصيرة.نصغي أكثر، ونستعجل أقل، ونفهم أن السكينة ليست فراغًا، بل امتلاء من نوع آخر. وهنا يتشكّل الوعي الجديد أن الحياة لا تحتاج دائمًا إلى إضافة، بل أحيانًا إلى حذفٍ ذكي.

وحين يمضي رمضان، لا يأخذ معه وقته فقط، بل يترك سؤالًا مفتوحًا، فهل سنعود إلى إيقاعٍ نعرف أنه أتعبنا، أم نحمل معنا هذا التوازن المكتسب؟ فالشهر لا يُقاس بأيامه، بل بالأثر الذي يزرعه. ومن أحسن استقبال هذا الشهر، أعاد ترتيب ذاته، واتّضحت رؤيته، وتصالح مع نفسه… وكأن البداية وُلدت هنا.