النهار

٠٢ يونيو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٢ يونيو-٢٠٢٦       2585

بقلم. د. إيمان حماد الحماد
في زوايا الروح المُعتمة، حيثُ يَثقُل الهمُّ ويَضيقُ الأفق، يسلّ الأملُ خيطًا من نور، فتنقلبُ الظلمةُ إلى فجر، والصمتُ إلى أغنية.  فلا يعود الأملَ وهمًا نتخيله لنعالج به الجراح، بل نراه فسحةٌ حقيقيَّة تنفتحُ في صدرِ كلِّ إنسانٍ يأبى الاستسلام ، فيشعر بالبهجة والانشراح . 
 
فهو خيط رفيع جدا يفصل بين المرء ويأسه ، وضوء خافت يومض في رأسه ، وصورة لما في القلب رسمها الفكر بحدسه ، ومنتحتها الروح نبضا لتعطي لحن الحياة جرسه ، وتظل تدفع الشخص بحماس يليق بدرسه ، فلا يترك للفشل مكانا ، ويقيده ببئر مستمتعا بحبسه ..

فمن يتمسك بالأمل ، هو من يجيد طرق الأبواب ، ويُلحق كل سؤال بجواب ، ولا يعمل للفشل أي حساب ، ولا يخور عند المُصاب ، ولا يهزّه نبح الكلاب ، ولا يتمكن منه اكتئاب ، ولا يتعلق بالسّراب ،  وبكلّ جهد يبذل الأسباب ، كما جاء في محكم الكتاب ، بمن أحسنوا الظن برب الأرباب ، ومَحَوا باليقين كل شك وارتياب ، لا يغطيهم سحاب ، ولا يثنيهم ضباب ، ولا تعرقلهم مَطَاب ، حتى يُوَارَوا بالتراب ..

عاشوا الحياة كما يجب أن تعاش ، بعرضها و طولها ...
ومشوا بها بين الهضاب وفي الحَشاش ، بأرضها و سهولها ...
ونالوا منها كل الأطايب ، مات من مات وعاش من عاش ، والجدير بها يطولها ...

فما الحياةُ بلا أملٍ ؟؟
هي حقلٌ جدبٌ أنهكَهُ القحط، وبحرٌ هائجٌ لا منارةَ تهديه. 
الأملُ هو النبضُ الذي يُبقي القلبَ يدقّ، والصوتُ الداخليُّ الذي يجعل الروق تَرِق ، فتنطلق وكأنها به تخلصت من القيود و الرق  . فبهِ يتنفس المريضُ هواء العافية، وبهِ يُعيدُ المُنكَسرُ بناءَ ما تهدَّم ، ويرى زوايا مضيئة كانت عليه خافية .. 

إنَّ الأملَ لا يُلغي الألمَ، بل يُدجِّنُه. لا يمحو الجرحَ، لكنَّهُ يُعلِّمُكَ كيفَ تحملُهُ وتتحمله ، دون أن ينزفَ أو يلتهب ، وصاحبه يعرف كيف لا يترك همه ليجعله ينهار ويكتئب . 
فمن حملَ أملًا حملَ درعًا لا يُقلِّبُها السيف، وحملَ ضوءًا لا تُطفئُهُ العواصف ، ويعرف " من أين تؤكل الكتف " ، ومتى ؟ و كيف ؟ 

مَنْ أبصرَ الضياءَ في قلبِهِ قبلَ عينِهِ، لم تستطِعِ الظلمةُ أن تأخذَهُ ، ولا أن تحول بين نجاحه و بينه ...

والإنسانُ المُتأمِّلُ يغدو به شخصا مختلفا: خطوتُهُ أوثق، وعزيمتُهُ أصلب، وضحكتُهُ لا تنتظرُ مناسبة. يرى الشتاءَ فيُعدُّ للربيع، ويرى الليلَ فيُحسنُ صنعَ النهار. 
فالأملُ طاقةٌ كامنةٌ تتحوَّلُ إلى فعل، وحُلمٌ ناضجٌ يتحوَّلُ إلى واقع. 

وللأملِ في جسدِ الإنسانِ أثرٌ لا يُنكَر: فهو يُرخي توتَّرَ العضل، ويُسكِّنُ لهيبَ القلق، ويُطلقُ في الروحِ طاقةً خفيَّةً تُعيدُ للمُتعَبِ نشاطَهُ وللمُكتَئِبِ ابتسامَتَه. الأملُ دواءٌ لا يُوصَفُ في كتبِ الطبِّ، غيرَ أنَّ الطبيبَ الحصيفَ يعرفُهُ ، وبطريقته يصفه ...

فكم من إنسانٍ أدركَتْهُ الشدائدُ من كلِّ حدب، فلمَّا اضطجعَ على حافَّةِ اليأس، سمعَ في أعماقِهِ صوتًا خافتًا يهمسُ: «لا تزال ثمَّةَ فُسحة»، فنهضَ وصنعَ من انكسارِهِ جسرًا، ومن دموعِهِ مطرًا. 

إنَّ الفسحةَ ليست بالضرورة اتساعَ الطريق، أو زوال العقبة ، بل تعني أنَّ الطريقَ لم يُغلَق بعد. وكمِ الفرقِ بين منْ يقول «انتهى كلُّ شيء» ومنْ يقول «هناك الكثير الذي لم يبدأ بعد»! الأولُ يُسلِمُ مفاتيحَهُ للظلام، والثاني يُمسكُها بكلتا يديه، مُندفعا نحو الأمام .. 

فالأملُ لا يُنقِذُكَ من المحنة، ولا يمحوها ، لكنَّهُ يُنقِذُكَ من الاستسلامِ لها ، ويدفعك أنت لتطبق شعاراتك ولا تكتفي بأن تقولها ...


فاحتفِظ بأملِكَ كما تحتفظُ بجمرةٍ في ليلٍ بارد: لا تدعْها تنطفئ، وانفُخ فيها حين تخبو، وستجدُ أنَّ النارَ لم تمُتْ، وأنَّ الدفءَ لم يغادر، وأنَّ الصباحَ لا يزالُ يُعدُّ لميعاده. 

وفسحةُ الأملِ لا تُقاسُ بالمسافات، بل بمقدارِ ما تُؤمنُ بنفسك و بقدرتك . 
ومَنْ لم يُهزَمْ من الداخل، لم تستطِعِ الدنيا بكلِّ ثِقَلها أن تُسقِطَهُ ، فأنت مكفول بعزيمتك . 

يا أيُّها المحزونُ انظر في الدُّجى
فسحاتُ نورٍ خلفَهُ لا تُحصَرُ

إنَّ الصباحَ وإن تأخَّرَ طالعٌ
وغمامةٌ لا بدَّ يومًا تُمطِرُ

@bentalnoor2005