الكاتب : النهار
التاريخ: ٣١ اكتوبر-٢٠٢٦       3520

بقلم-د. مها ياسر

«لا شيء يضر بعملية ابتكار الأفكار الجديدة بقدر وجود عقلية نقدية تنتظر الانقضاض على عيوب أي فكرة بمجرد طرحها».

هذه العبارة من كتاب Getting to Yes لروجر فيشر وويليام يوري، تضع أيدينا على واحدة من المشكلات التي تواجه المؤسسات في سعيها نحو الابتكار: أحيانًا لا تكون المشكلة في غياب الأفكار، بل في البيئة التي تستقبلها.

فكم من فكرة لم ترَ النور لأن صاحبها توقع مسبقًا سيلًا من الاعتراضات؟ وكم من مشروع واعد توقف عند أول اجتماع، ليس بسبب استحالة تنفيذه، بل لأن النقاش بدأ بتعداد عيوبه قبل استكشاف إمكاناته؟

المفارقة أن كثيرًا من الشركات تعلن حاجتها إلى الابتكار، وتضعه ضمن أهدافها الاستراتيجية، لكنها لا تزال تدير بعض مؤسساتها بعقلية تفضل الحلول المألوفة، وتكافئ الالتزام بالإجراءات أكثر مما تكافئ المبادرة والتجريب.

ومن هنا ظهر اتجاه إداري مهم، يقوم على الاستعانة بأشخاص يمتلكون عقلية ريادة الأعمال، ولكن من داخل المؤسسة نفسها، وهو ما يُعرف بمفهوم ريادة الأعمال داخل الشركات (Intrapreneurship).

من رائد الأعمال إلى رائد الأعمال داخل الشركة

ارتبط انتشار مفهوم ريادة الأعمال الداخلية بأعمال جيفورد بينشوت الثالث وإليزابيث بينشوت، اللذين استخدما مصطلح Intrapreneurship في ورقتهما البحثية عام 1978، ثم توسع جيفورد بينشوت في تقديم المفهوم من خلال كتابه Intrapreneuring عام 1985.

وتقوم الفكرة على الاستفادة من عقلية رائد الأعمال داخل المؤسسة القائمة، بدلًا من اضطرار أصحاب الأفكار إلى مغادرتها لتأسيس مشروعاتهم الخاصة.

فالشركة هنا لا تبحث فقط عن موظف يؤدي مهامه بكفاءة، بل عن شخص يستطيع اكتشاف الفرص، وتطوير أفكار جديدة، وتحويلها إلى مشروعات أو منتجات أو خدمات تحقق قيمة اقتصادية للمؤسسة.

وقد سبقت بعض الشركات هذا المصطلح بممارسات عملية؛ فشركة 3M، على سبيل المثال، أتاحت لموظفيها منذ نحو عام 1948 تخصيص 15% من وقت العمل لاستكشاف أفكارهم ومشروعاتهم، وهي ثقافة ساهمت في ظهور ابتكارات مهمة، من بينها منتج Post-it الشهير.

كما ارتبط تطوير جهاز Macintosh في شركة Apple بنموذج ريادة الأعمال الداخلية، من خلال فريق عمل امتلك مساحة من الاستقلالية لتطوير منتج مختلف داخل مؤسسة كبيرة.

وهذه النماذج توضح أن الابتكار ليس حكرًا على الشركات الناشئة، بل يمكن أن ينشأ داخل المؤسسات الكبرى متى توافرت له البيئة المناسبة.

هل نحتاج إلى مدير ابتكار أم رائد أعمال داخلي؟

مع تطور هذا التوجه، ظهرت أدوار وظيفية متخصصة، من بينها مدير الابتكار (Innovation Manager)، ورائد الأعمال الداخلي (Intrapreneur)، ومدير ريادة الأعمال المؤسسية (Corporate Entrepreneurship Manager).

ورغم التقاطع بينها، فإن لكل دور طبيعة مختلفة.

مدير الابتكار مسؤول عن بناء وإدارة منظومة الابتكار داخل المؤسسة؛ بدءًا من استقبال الأفكار وتقييمها، مرورًا بتحديد أولويات التطوير وتوفير الموارد، وصولًا إلى متابعة تحويل الأفكار إلى تطبيقات قابلة للقياس.

أما رائد الأعمال الداخلي، فهو صاحب المبادرة الذي يكتشف الفرصة، ويتحمل مسؤولية دفع الفكرة إلى الأمام، ويعمل على جمع الأشخاص والموارد اللازمة لتحويلها إلى واقع.

بمعنى آخر، قد يدير مدير الابتكار النظام الذي يسمح للأفكار بالنمو، بينما يكون رائد الأعمال الداخلي أحد أهم المحركات التي تنتج هذه الأفكار وتحولها إلى فرص حقيقية.

ما الذي يختلف في هذه الوظائف عن الوظائف الإدارية التقليدية؟

الاختلاف لا يتعلق بالمسمى الوظيفي فقط، بل بطبيعة التفكير ومعايير النجاح.

فالوظائف التقليدية غالبًا ما تركز على تنفيذ الخطط المعتمدة، وضبط العمليات، والالتزام بالموازنات، وتحقيق مؤشرات الأداء المحددة مسبقًا.

أما وظائف الابتكار وريادة الأعمال الداخلية، فتتعامل مع مساحة أكبر من عدم اليقين؛ إذ لا تكون النتائج معروفة بالكامل منذ البداية، وقد يتطلب الوصول إلى الحل تجربة أكثر من نموذج، أو تعديل الفكرة، أو حتى التوقف عن مشروع لم تثبت جدواه.

المدير التقليدي يسأل غالبًا: كيف ننفذ الخطة بأفضل كفاءة؟

أما مدير الابتكار فيضيف سؤالًا آخر: هل ما زلنا ننفذ الخطة الصحيحة؟ وهل توجد فرصة أفضل لم نكتشفها بعد؟

وهنا لا ينبغي فهم الاختلاف باعتباره تعارضًا بين الإدارة والابتكار؛ فالمؤسسة الناجحة تحتاج إلى الاثنين. الانضباط التشغيلي يحافظ على استقرار الأعمال، بينما يمنح الابتكار المؤسسة القدرة على التطور وعدم الاكتفاء بما حققته في الماضي.

لماذا تحتاج الشركات إلى هذه الوظائف؟

لم تعد المنافسة بين المؤسسات قائمة على السعر والجودة فقط، بل امتدت إلى سرعة تطوير المنتجات، وتحسين تجربة العملاء، واكتشاف أسواق جديدة، وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في نماذج العمل.

ومن ثم، فإن وجود مسؤولين عن الابتكار وريادة الأعمال الداخلية يمكن أن يحقق عدة فوائد:

* اكتشاف فرص تجارية جديدة قبل المنافسين.
* تحويل المشكلات التشغيلية إلى فرص لتحسين الأداء.
* تطوير منتجات وخدمات تتوافق مع احتياجات العملاء المتغيرة.
* الاحتفاظ بالمواهب التي تمتلك أفكارًا ومبادرات مستقلة.
* تقليل الاعتماد على الحلول التقليدية في مواجهة التحديات الجديدة.
* بناء ثقافة تسمح بالتجربة والتعلم من الإخفاقات المحسوبة.

لكن تعيين مدير للابتكار لا يعني بالضرورة أن المؤسسة أصبحت مبتكرة. فقد يتحول هذا المنصب إلى مجرد وظيفة إدارية إضافية إذا لم يمتلك صاحبه صلاحيات حقيقية، أو ميزانية للتجريب، أو دعمًا مباشرًا من الإدارة العليا.

المشكلة ليست في نقص الأفكار دائمًا

تعود بنا هذه النقطة إلى الاقتباس الذي بدأنا به.

فحين تُعرض فكرة جديدة، ويكون أول رد هو: لماذا لن تنجح؟ وما المخاطر؟ ومن المسؤول إذا فشلت؟ فإن المؤسسة تكون قد وضعت صاحب الفكرة في موقف دفاعي قبل أن تمنحه فرصة لتطويرها.

ولا يعني ذلك إلغاء التقييم أو تجاهل المخاطر، وإنما الفصل بين مرحلتين: مرحلة توليد الأفكار واستكشاف إمكاناتها، ومرحلة تقييمها واختبار جدواها.

فليس من المنطقي أن نحاكم فكرة أولية بالمعايير نفسها التي نحاكم بها مشروعًا جاهزًا للتنفيذ.

ومن هنا تظهر أهمية دور مدير الابتكار في تصميم بيئة عمل تسمح بطرح الأفكار دون خوف من السخرية أو الرفض المبكر، مع وضع آليات واضحة لتقييمها وتجربتها وقياس نتائجها.

الابتكار ليس وظيفة شخص واحد

قد يكون من الضروري تعيين مدير للابتكار أو استقطاب رواد أعمال داخليين، لكن المسؤولية الحقيقية لا تتوقف عند هذه الوظائف.

فالابتكار الذي يعتمد على شخص واحد يظل محدودًا بقدراته وصلاحياته، بينما الابتكار الذي يتحول إلى ثقافة مؤسسية يصبح جزءًا من طريقة التفكير والعمل داخل جميع الإدارات.

وهنا يأتي دور الموارد البشرية في تطوير معايير اختيار وتقييم تكافئ المبادرة والتفكير النقدي البناء، وتصميم برامج تحفيز تسمح للموظفين بالمشاركة في تطوير الأعمال، إلى جانب دور القيادات التنفيذية في منح أصحاب الأفكار مساحة حقيقية للتجريب.

فالمؤسسة التي تريد أفكارًا جديدة عليها أن تتعلم أولًا كيف تستقبلها.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم هو: كم فكرة جديدة يستطيع موظفونا تقديمها؟

بل: كم فكرة نمنحها فرصة حقيقية للحياة قبل أن نحكم عليها؟

لأن الشركات التي ستنجح في المستقبل لن تكون بالضرورة الأكثر امتلاكًا للموارد، بل الأكثر قدرة على اكتشاف الفرص، وتحرير طاقات موظفيها، وتحويل الأفكار التي تبدو غير مألوفة اليوم إلى قيمة تنافسية غدًا.