الكاتب : النهار
التاريخ: ٣١ اكتوبر-٢٠٢٦       3575

بقلم- د. سعيد فايز الشريف

لم تعد النهضة التعليمية في المملكة العربية السعودية تحتمل الاكتفاء بتطوير المناهج والمباني والتقنيات التعليمية بل أصبحت تتطلب استثمارًا أعمق في العنصر الذي يصنع الفرق الحقيقي في الميدان التعليمي ألا وهو لمعلم.
ومن هنا، يأتي التوجه نحو اشتراط الحصول على «الماجستير المهني في التدريس» للتعيين في مهنة التعليم بوصفه خطوة تستحق التقدير، ورسالة واضحة بأن التدريس ليس وظيفة يؤديها حامل الشهادة الجامعية فحسب، بل مهنة متخصصة تتطلب إعدادًا مهنيًا رفيعًا، وكفايات تربوية، وقدرة على صناعة التعلم وبناء الإنسان.
لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم ليس: هل نؤيد هذا الشرط أم لا؟ بل: كيف نضمن أن يتحول هذا الماجستير من مؤهل مطلوب للتوظيف إلى قيمة مهنية حقيقية تنعكس على أداء المعلم، ومستوى الطالب، وجودة التعليم؟
هنا تبدأ الفكرة من الحصول على الشهادة إلى صناعة الكفاءة
إن قيمة أي مؤهل مهني لا تُقاس بمسمّاه، ولا بعدد ساعاته الدراسية، ولا بمجرد اجتياز مقرراته، وإنما بما يُحدثه من تغيير في أداء صاحبه وقدرته على ممارسة مهنته بكفاءة.
فالمعلم الذي نطمح إليه لا يكفي أن يمتلك المعرفة النظرية بأساليب التدريس، بل ينبغي أن يكون قادرًا على إدارة الصف، وفهم الفروق الفردية بين الطلاب، واكتشاف الموهبة، ومعالجة التعثر الدراسي، وتوظيف التقنية، وقياس نواتج التعلم، والتعامل مع التحديات النفسية والسلوكية والتربوية التي يواجهها في الميدان.
وهذا المستوى من التأهيل يتطلب برنامجًا مهنيًا لا ينفصل عن واقع المدرسة، ولا يكتفي بالجانب الأكاديمي، بل يربط المعرفة بالتطبيق، والتدريب بالتقويم، والتخرج بإثبات الكفاءة.
ولعلنا هنا نستحضر تجارب الدول المتقدمة في إعداد المعلم، وفي مقدمتها سنغافورة، التي أنشأت المعهد الوطني للتعليم (NIE) ليكون ركيزة أساسية في إعداد المعلمين وتأهيلهم وتطويرهم مهنيًا، من خلال منظومة تجمع بين التأصيل العلمي والتطبيق العملي والشراكة مع وزارة التعليم والمدارس.
إن استحضار هذه التجربة ليس دعوة إلى استنساخ نموذج خارجي، ولا تقليلًا من مكانة جامعاتنا السعودية، وإنما تأكيد على أهمية بناء نموذج وطني يستفيد من التجارب الدولية، ويستثمر إمكانات جامعاتنا، ويستجيب لخصوصية التعليم في المملكة وطموحاتها.
ومن هنا، تبرز أهمية دراسة إنشاء معهد وطني للتميز في إعداد المعلمين، بالشراكة بين وزارة التعليم والجامعات السعودية، وتحت إشراف تقويمي من هيئة تقويم التعليم والتدريب، ليكون الماجستير المهني في التدريس أكثر من مؤهل للتعيين؛ بل تجربة تأهيلية تصنع معلمًا يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على
ومن هنا أقترح دراسة إنشاء معهد وطني للتميز في إعداد المعلمين، على غرارما قامت به يكون تحت إشراف وزارة التعليم، وبإشراف تقويمي مستقل من هيئة تقويم التعليم والتدريب، وفق الأطر النظامية المعتمدة، وبالشراكة مع الجامعات السعودية.
ويكون المعهد منصة وطنية متخصصة في تقديم الماجستير المهني في التدريس، وفق معايير موحدة للكفايات المهنية، ومناهج متجددة، وتدريب ميداني مكثف، وقياس دقيق لمستوى المتقدمين قبل التخرج.
ولا تقوم هذه الفكرة على التقليل من مكانة جامعاتنا أو التشكيك في قدراتها؛ فالجامعات السعودية شريك أساسي في بناء المعرفة وإعداد الكفاءات. وإنما تنطلق من مبدأ التكامل بين التعليم الجامعي المتخصص، والإعداد المهني المرتبط مباشرة بمتطلبات الميدان المدرسي.

فالجامعة تقدم المعرفة والتأصيل العلمي والبحثي، بينما يمكن للمعهد أن يركز على بناء الكفايات التدريسية التطبيقية، وفق إطار وطني واضح، مع إتاحة تنفيذ البرامج من خلال الجامعات المؤهلة وفق معايير اعتماد دقيقة.
وبذلك لا نضيف مؤسسة جديدة لمجرد الإضافة، بل نؤسس نموذجًا يضمن جودة الإعداد، ويوحد الحد الأدنى من الكفايات المطلوبة، ويتيح التطوير المستمر للبرامج وفق نتائج التقويم واحتياجات المدارس.
ولكي يحقق هذا المشروع غايته، أقترح أن يقوم على خمس مرتكزات أساسية:
أولًا: التدريب الميداني المكثف.
أن يقضي الطالب المعلم فترة تدريب حقيقية داخل المدارس، تحت إشراف معلمين خبراء ومشرفين متخصصين، وألا يُمنح المؤهل إلا بعد إثبات قدرته على التدريس وإدارة الصف وتحقيق أهداف التعلم.
ثانيًا: التقويم القائم على الأداء.
ألا يكون النجاح مرهونًا بالاختبارات التحريرية وحدها، بل يتضمن دروسًا تطبيقية، وملفات إنجاز مهنية، وملاحظة مباشرة للأداء، وقياس القدرة على معالجة المشكلات التعليمية الواقعية.
ثالثًا: مناهج تستجيب لتحولات التعليم.
أن تشمل البرامج توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات التعليمية، والتعليم الشامل، والتعامل مع الفروق الفردية، وتنمية التفكير الناقد، وأساليب التقويم الحديثة، إلى جانب أخلاقيات المهنة ومهارات التواصل مع الأسرة والمجتمع.
رابعًا: شراكة حقيقية مع المدارس.
أن تكون المدارس الحكومية والأهلية شريكًا في التدريب والتطوير وتحديد الاحتياجات، بما يضمن ألا تبقى البرامج أسيرة القاعات الدراسية، بل تستجيب لما يواجهه المعلم يوميًا في الميدان.
خامسًا: قياس الأثر بعد التخرج.
أن تمتد منظومة الجودة إلى متابعة الخريجين خلال سنواتهم المهنية الأولى، وقياس تطور أدائهم، والاستفادة من نتائج المتابعة في تحديث البرامج وتحسينها باستمرار.
إن وجود دور تقويمي مستقل لهيئة تقويم التعليم والتدريب يمكن أن يمثل عنصرًا جوهريًا في نجاح هذه الفكرة، من خلال وضع مؤشرات أداء واضحة، واعتماد معايير للكفايات المهنية، وتقويم البرامج ومخرجاتها، والتحقق من فاعلية التدريب الميداني.
والأهم أن ترتبط هذه المؤشرات بجودة الممارسة التعليمية، لا بعدد الخريجين أو نسبة النجاح وحدهما؛ فالمعيار الحقيقي هو ما إذا كان البرنامج قد أعد معلمًا قادرًا على التدريس بكفاءة، والتعامل مع احتياجات طلابه، وتحسين فرص تعلمهم.
كما ينبغي أن تظل المسؤوليات التنظيمية والأكاديمية واضحة، بحيث لا تتداخل أدوار الوزارة والهيئة والجامعات، بل تتكامل في منظومة واحدة، لكل جهة فيها اختصاص محدد ومحاسبة واضحة.
قد يرى البعض أن هذا المقترح يضيف مسارًا جديدًا إلى منظومة إعداد المعلمين، لكن القضية في جوهرها ليست زيادة سنوات الدراسة أو المؤهلات، وإنما ضمان أن تكون كل مرحلة من مراحل الإعداد ذات قيمة مضافة حقيقية.
فالمملكة، وهي تمضي بثقة نحو مستهدفات رؤيتها الطموحة، تحتاج إلى معلم يمتلك المعرفة والمهارة، ويؤمن برسالته، ويستطيع تحويل المنهج إلى تجربة تعلم مؤثرة، والطالب إلى إنسان يمتلك أدوات التفكير والإبداع والمنافسة.
ومن المهم كذلك أن يقترن تطبيق شرط الماجستير المهني بتوفير مسارات تدريب وتأهيل ميسرة، ودعم مالي للفئات المستهدفة، وخطط انتقالية واضحة تراعي احتياجات سوق العمل، حتى يكون رفع معايير المهنة محفزًا لاستقطاب الكفاءات، لا عائقًا أمامها.
إننا لا نريد ماجستيرًا يحمّل المعلم شهادة إضافية فحسب؛ بل نريد تأهيلًا يصنع معلمًا مختلفًا، ومدرسة أكثر كفاءة، وطالبًا أكثر قدرة على التعلم والإبداع.
ولذلك، فإن السؤال الذي أضعه أمام وزارة التعليم والجهات المعنية هو: لماذا لا ندرس تأسيس معهدًا وطنيٍا للتميز في إعداد المعلمين، يكون نموذجًا متقدمًا للتكامل بين الوزارة والجامعات وهيئة تقويم التعليم والتدريب، ويجعل جودة المعلم وكفاءته العملية المعيار الأول لنجاح الماجستير المهني؟
فحين نستثمر في صناعة المعلم، فإننا لا نطور مهنة فحسب، بل نؤسس لجودة التعليم، ونرفع كفاءة الأجيال، ونستثمر في مستقبل الوطن.
فالمعلم ليس مجرد مخرج من مخرجات التعليم الجامعي؛ بل هو صانع المخرجات التي يُبنى بها مستقبل المملكة.