الكاتب : النهار
التاريخ: ١٧ اكتوبر-٢٠٢٦       3025

بقلم ـ د. مها ياسر

مقدمة: هل تستطيع المؤسسات تحمّل كل شيء؟

«لا يُثقِل الله الجبل بما يفيض عن حاجته من ثلوج».

عبارة مجازية تحمل دلالة عميقة حول العلاقة بين القدرة والأعباء، ويمكن استلهامها في عالم الإدارة لفهم أحد أهم التحديات التي تواجه المؤسسات في أوقات الأزمات: كيف يمكن الحفاظ على الأداء والاستقرار دون استنزاف الموارد البشرية؟

في ظل الحروب والتوترات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، تواجه الشركات تحديات تتجاوز ارتفاع التكاليف واضطراب سلاسل الإمداد؛ إذ تمتد إلى استقرار الموظفين، ودرجة شعورهم بالأمان، وقدرتهم على التركيز، واستعدادهم لمواصلة العمل في بيئة يسودها عدم اليقين.

وهنا يبرز دور إدارة الموارد البشرية، ليس بوصفها إدارة مسؤولة عن التوظيف والرواتب فحسب، بل باعتبارها شريكًا استراتيجيًا في حماية استمرارية الأعمال وبناء القدرة المؤسسية على الصمود.

أولًا: الموظف في قلب الأزمة

تؤثر الأزمات الممتدة في الموظفين بطرق متعددة؛ فقد يواجه بعضهم مخاوف تتعلق بالأمان الشخصي أو الأسرة أو الدخل، بينما يتعامل آخرون مع ارتفاع تكاليف المعيشة أو صعوبة التنقل أو تغير ظروف العمل.

وقد تنعكس هذه الضغوط على التركيز والإنتاجية والالتزام، خصوصًا عندما تقابلها الإدارة بزيادة الأعباء، أو غموض القرارات، أو غياب التواصل.

ومن الأخطاء الإدارية الشائعة افتراض أن استمرار الموظف في الحضور والعمل يعني أنه قادر على تحمّل مزيد من المسؤوليات دون تأثير في أدائه.

فالقدرة البشرية ليست موردًا غير محدود، والإنتاجية المستدامة لا تتحقق بمجرد زيادة ساعات العمل أو تشديد الرقابة، وإنما من خلال التوازن بين متطلبات الأداء والموارد المتاحة والظروف المحيطة.

ثانيًا: الاحتفاظ بالكفاءات في أوقات عدم اليقين

عندما تواجه الشركات ضغوطًا مالية، قد تتجه إلى تجميد التوظيف أو تقليص برامج التدريب أو إعادة توزيع الموظفين بصورة عاجلة. وقد تكون بعض هذه الإجراءات ضرورية، لكن تطبيقها دون تحليل دقيق قد يؤدي إلى فقدان خبرات يصعب تعويضها.

فالموظف صاحب الخبرة المتخصصة لا يمثل تكلفة راتب فقط؛ بل يمتلك معرفة تراكمية بالعمليات والعملاء، وقدرة على التعامل مع المشكلات، وعلاقات مهنية بُنيت عبر سنوات.

وعند مغادرته، تتحمل المؤسسة تكاليف مباشرة وغير مباشرة تشمل التوظيف والتأهيل، وفترة انخفاض الإنتاجية، واحتمال فقدان المعرفة أو تراجع جودة الخدمة.

لذلك، تحتاج الشركات إلى تحديد الكفاءات الحرجة، وتحليل مخاطر مغادرتها، ووضع خطط واقعية للاحتفاظ بها، بالتوازي مع إعداد بدائل مؤهلة للوظائف التي قد يؤدي شغورها إلى تعطّل الأعمال.

ثالثًا: إدارة الأعباء بدلًا من مضاعفتها

إذا كانت المؤسسة تواجه أزمة، فإن أول سؤال ينبغي أن تطرحه ليس: كيف نطلب من الموظفين إنجاز المزيد؟ بل: كيف نعيد توزيع العمل بما يضمن استمرار العمليات الأساسية؟

يمكن تحقيق ذلك من خلال:

* إعادة ترتيب الأولويات وإيقاف الأنشطة الأقل أهمية مؤقتًا.
* توزيع المهام الحرجة على أكثر من موظف لتقليل الاعتماد على الأفراد.
* توفير مرونة مدروسة في ساعات العمل أو موقعه عندما تسمح طبيعة الوظائف بذلك.
* تطوير مهارات الموظفين لزيادة قدرتهم على الانتقال بين المهام.
* مراجعة مؤشرات الأداء حتى لا تكافئ السرعة على حساب الجودة أو السلامة.

إن الهدف ليس تخفيف المساءلة، بل جعلها أكثر واقعية وعدالة، بحيث تُقاس النتائج في ضوء الموارد والظروف الفعلية.

رابعًا: القيادة والثقة في زمن الحرب

في الأزمات، تصبح جودة القيادة أكثر أهمية من المعتاد. فالموظفون يحتاجون إلى معلومات واضحة، وتوقعات قابلة للتنفيذ، وإجابات صريحة بشأن القرارات التي تمس مستقبلهم الوظيفي.

ولا يعني التواصل الفعال أن تمتلك الإدارة إجابات عن جميع الأسئلة، بل أن تميز بوضوح بين ما تعرفه، وما لا يزال غير مؤكد، وما ستفعله لتحديث المعلومات.

ومن الممارسات المفيدة إنشاء قنوات منتظمة للتواصل، وتوضيح إجراءات الطوارئ، وتحديد المسؤوليات، وإتاحة المجال للموظفين للإبلاغ عن المخاطر التشغيلية أو صعوبات العمل دون خوف من العقاب غير المبرر.

كما ينبغي التعامل مع الضغوط النفسية والمهنية بجدية، وإتاحة الدعم المناسب ضمن إمكانات المؤسسة، مع احترام الخصوصية وعدم تحويل برامج الدعم إلى أدوات لمراقبة الموظفين أو تقييمهم بصورة غير عادلة.

خامسًا: التعاقب الوظيفي ونقل المعرفة

قد تكشف الأزمات أن بعض المؤسسات تعتمد بصورة مفرطة على موظف واحد في إدارة عملية أساسية أو التعامل مع عميل رئيسي أو تشغيل نظام حساس.

وهذا يمثل خطرًا مؤسسيًا، حتى في غياب الحرب.

ومن ثم، ينبغي أن تتضمن خطة الموارد البشرية:

1. تحديد الوظائف التي يؤثر غياب شاغليها في استمرار الأعمال.
2. تعيين بدلاء محتملين وتقييم جاهزيتهم.
3. توثيق الإجراءات والمعارف الضرورية.
4. تنفيذ تدريب متبادل بين الموظفين.
5. اختبار قدرة البدلاء على أداء المهام فعليًا.

ولا يقتصر الهدف على تجهيز بديل عند الاستقالة، بل على تقليل اعتماد المؤسسة على المعرفة الفردية غير الموثقة.

سادسًا: كيف نقيس نجاح إدارة الموارد البشرية أثناء الأزمة؟

يمكن استخدام مجموعة من المؤشرات، مع تحديد أهداف واقعية وفقًا لطبيعة الشركة وحجمها، ومنها:

* معدل الاحتفاظ بالموظفين في الوظائف الحرجة.
* نسبة الوظائف الأساسية التي لديها بدلاء مؤهلون.
* معدلات الغياب ودوران العمالة.
* مستوى الالتزام باستمرارية العمليات.
* جودة الخدمة ومعدلات الأخطاء.
* نتائج استبيانات الموظفين بشأن وضوح التواصل والثقة والقدرة على أداء العمل.

ولا ينبغي تفسير أي مؤشر بصورة منفردة؛ فارتفاع الغياب، مثلًا، قد يرتبط بعوامل متعددة، ويحتاج إلى تحليل الأسباب قبل اتخاذ قرارات إدارية.

خاتمة: الموظفون ليسوا جبلًا لا ينفد صبره

إن استلهام الحكمة القائلة «لا يُثقِل الله الجبل بما يفيض عن حاجته من ثلوج» في إدارة الموارد البشرية لا يعني أن كل موظف قادر تلقائيًا على تحمّل أي أزمة، أو أن المؤسسة تستطيع الاعتماد على الصبر وحده.

بل يعني أن الإدارة الرشيدة تدرك حدود مواردها، وتعيد ترتيب الأولويات، وتوزع الأعباء، وتحمي الكفاءات، وتبني البدائل قبل أن تتحول الضغوط إلى خسائر يصعب تعويضها.

فالشركات القوية ليست تلك التي تطلب من موظفيها الصمود مهما كانت الظروف، بل تلك التي تهيئ لهم البيئة والسياسات والقيادة التي تساعدهم على الاستمرار بأمان وكفاءة قدر الإمكان.

فالمرونة المؤسسية تبدأ من الإنسان، ولا تتحقق باستنزافه.

وفي المقالة الثانية، ننتقل من حماية الموارد البشرية إلى السؤال الأوسع: كيف تعيد الشركات بناء استراتيجيتها وتدير مخاطرها وتضمن استمرارية أعمالها في ظل حرب الشرق الأوسط؟