الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ اكتوبر-٢٠٢٦       2695

بقلم: د. خالد بن يحيى القحطاني

‏يقول الشاعر البريطاني T. S. Eliot في قصيدته Little Gidding، ضمن مجموعته الشعرية Four Quartets (الرباعيات الأربع):

 

" .. أن نضع نهايةً لشيء هو أن نصنع بدايةً لآخر، فالنهاية هي الموضع الذي ننطلق منه".

ليست كل النهايات ثمرة إخفاق، ولا كل البدايات محاولة لتصحيح مسار خاطئ، فقد يبلغ الإنسان مكانة رفيعة، ويحقق نجاحات تستحق التقدير، ثم يختار أن يغادر طريقه، لا لأنه فقد جدواه، بل لأنه رأى ميداناً آخر أجدر بوقته وقدراته.

ولعل أصعب التحولات في حياتنا ليست تلك التي تدفعنا إليها الإخفاقات، وإنما تلك التي نختارها ونحن في ذروة نجاحاتنا.

وفي سيرة الأديب والمؤرخ السعودي عبدالله بن خميس ما يجسد هذا المعنى.

ففي عام 1972م، اختار التقاعد المبكر من العمل الحكومي، بعد مسيرة ناجحة تقلّد خلالها مناصب قيادية، كان آخرها رئاسة مصلحة المياه بالرياض، ليتفرغ لميدان آخر من ميادين العطاء: البحث والتأليف وخدمة المعرفة.

وقد أثمر هذا التفرغ منجزات ثقافية بارزة، إذ أثرى المكتبة العربية بأعمال موسوعية، منها معجم اليمامة، وتاريخ اليمامة، ومعجم جبال الجزيرة، إلى جانب مؤلفات حفظت جوانب مهمة من تاريخ الجزيرة العربية وجغرافيتها وتراثها. كما تولّى رئاسة النادي الأدبي بالرياض عام 1975م، وأنشأ مطابع الفرزدق عام 1977م.

ورغم أن مشروعه الثقافي بدأ قبل تقاعده، فإن كثيراً من أبرز منجزاته جاء بعد تفرغه له. فلم يتوقف عن خدمة وطنه حين غادر منصبه، بل واصل خدمته من ميدان آخر، اختار أن يمنحه الأولوية في مرحلة جديدة من حياته.

وفي تجربة تاريخية أخرى، ابتعد ابن خلدون عن صراعات السياسة، واعتزل في قلعة ابن سلامة، حيث أنجز عام 1377م المسودة الأولى من كتابه الشهير المقدمة. ولم تكن تجاربه السياسية بعيدة عن هذا الإنجاز، بل كانت رصيداً معرفياً أتاح له التفرغ لتحويله إلى إرث فكري عميق.

وعلى اختلاف التجربتين، تتجلى الفكرة ذاتها: قد لا يحتاج الإنسان إلى أن يبدأ من جديد، بقدر ما يحتاج إلى إعادة توجيه خبراته وقدراته نحو غاية أجدر بها.

وهنا تكمن إحدى أصعب المفاضلات في حياتنا، فاختياراتنا ليست دائماً بين الصواب والخطأ، بل كثيراً ما تكون بين المهم والأهم، وبين ما نجيد فعله وما نستطيع أن نحقق من خلاله أثراً أعظم.

وقد لخّص الفيلسوف وعالم النفس وليام جيمس جانباً من هذا المعنى في كتابه مبادئ علم النفس بقوله:

"فن الحكمة هو فن معرفة ما ينبغي أن ننصرف عنه"،

فالحكمة ليست في الإحاطة بكل شيء، بل في القدرة على التمييز بين ما يستحق اهتمامنا وما يجدر بنا تجاوزه، حتى وإن بدا مهماً ونافعاً.

ولعل أصعب ما نتخلى عنه ليس ما أخفقنا فيه، بل ما نجحنا فيه، فالنجاح يمنح الطريق الذي نسلكه مبررات قوية للاستمرار، حتى وإن ظهرت أمامنا غاية أخرى أعظم أثراً.

وليس في ذلك دعوة للتخلي عن المسؤوليات أو التقليل من قيمة المثابرة، فكثير من الإنجازات العظيمة لا يتحقق إلا بالصبر والاستمرار. إنما الحكمة أن نعرف متى يكون الاستمرار هو الخيار الأجدر، ومتى يكون تغيير المسار فرصة لعطاء أعظم. فليس كل توقف تراجعاً، ولا كل استمرار تقدماً.

وقد تبدأ أعظم إنجازاتنا حين نمتلك الشجاعة للتوقف عن أشياء مهمة، لنتفرغ لما هو أهم.

ولعل السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا ليس: هل نجحنا فيما نعمل؟

بل: هل ما نمنحه اليوم وقتنا وجهدنا هو الميدان الذي نستطيع أن نقدم فيه أعظم ما لدينا؟