الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ اكتوبر-٢٠٢٦       14190

بقلم ـ آمنة بنت خليل عسيري 

ثمة مقاعد لا ندرك ثقلها حتى نحمل أمانتها، وقرارات تبدو يسيرة من بعيد، فإذا صرنا أصحابها أدركنا أن وراءها أرواحًا تُراعى، وحقوقًا تُصان، وأماناتٍ يُسأل عنها المرء يومًا لا تنفعه فيه مسميات المناصب ولا ألقابها.

ولعل أعجب ما في الإدارة أن الناس يرون المدير حين يتحدث، ولا يرونه حين يحتار؛ يسمعون قراره، ولا يسمعون حديثه الطويل مع نفسه قبل أن يتخذه؛ يحاسبونه على ما فعل، ولا يعلمون كم مرة عدل عن فعلٍ كان في مقدوره.. رحمةً بإنسان، أو حفظًا لخاطر، أو اتقاءً لظلم.

وفي اليوم العالمي للمدير:
لا أكتب تهنئةً لمن يتصدرون المشهد، وإنما أكتب لمن عرفوا ما وراءه؛ لمن حملوا همّ المكان وأهله، واضطروا إلى الحزم حين كانت نفوسهم أميل إلى اللين، حتى صار نجاح الآخرين بعضًا من راحتهم، وإخفاقهم بعضًا من أرقهم.

وما أكثر ما ننسى أننا جميعًا مررنا بمن تولّى إدارة شؤوننا، وإن اختلفت المسميات وتباعدت السنوات.. فمنذ خطواتنا الأولى في المدرسة تعاقب علينا مديرون ومديرات، وبقي لبعضهم أثرٌ لا تمحوه الأيام.. ثم كبرنا، فإذا الإدارة تحيط بنا في صور شتى:
أمٌّ تدبّر شؤون بيتها..
 وأبٌ يرعى أسرته..
ومعلمٌ يقود عقولًا تتشكل أمام عينيه..
وطالبٌ يتعلم أن يدير وقته وسلوكه وما أُوكل إليه..
فكلٌّ منا راعٍ في موضعه، ومسؤولٌ عما استُرعي عليه، وليس كل من حمل مسؤوليةً حمل لقبًا.

ومن هنا أقول لكل من يعمل تحت إدارة أحد:
لا تجعل اختلافك مع مديرك دليلًا على أنه لا يفهمك، ولا تجعل تمسكه بقرارٍ قرينةً على أنه يقصدك..فقد ترى أنت جانبًا من الصورة، ويرى هو جوانب أخرى؛ وقد تنظر إلى أثر القرار عليك؛  بينما ينظر إلى أثره على جماعةٍ كاملة..
اقترب، وناقش، واسأل، وأحسن عرض رأيك؛ فالرأي الذي يُسمع بهدوء قد يبلغ ما لا يبلغه الاعتراض بغضب.. ومع ذلك، لا عصـمة لمدير، ولا قداسـة لقرار؛ فقد يخطئ في تقديره، وقد تكون أنت أبصر منه في مسألة.. والإدارة الناضجة لا تضيـق بالمراجعة، كما أن الموظف الواعي لا يخلط بين اختلاف الرأي وسوء النية..
وما أجمل أن يلتقي تواضع المسؤول بشجاعة الموظف، فيراجع أحدهما رأيه دون حرج، ويعرض الآخر وجهة نظره دون تجريح.

وكم من موظفٍ تألم من تقويم أدائه، وظن أن الدرجة التي حصل عليها انتقاصٌ من قدره!
وربما كان في التقويم ما يستحق الاعتراض والمراجعة، وربما كان مرآةً لأمورٍ لم ينتبه إليها في نفسه.. فقد يكون مديره قد نبّهه مرةً وأخرى، وأمهله، وفتح له باب التحسين؛ لكنه ظل يرى التوجيه نقدًا لشخصه، والتغيير تهديدًا لما اعتاده..
وليس من الإنصاف أن نطالب المدير بالعدل ثم نرفض أن نسمع منه ما لا يرضينا؛ كما ليس من العدل أن يُختزل جهد إنسان في انطباعٍ عابر أو موقفٍ واحد.. فالإنصاف واجبٌ على من يُقيِّم، وعلى من يُقيَّم.

أما أنت أيها المديــر..
فلا تظن أن الحزم يقتضي أن يخشاك الناس، أو أن اللين يقتضي أن يتجاوزوا حدودك..

أجمل ما في الإدارة أن يكون لك قلبٌ يتسع للناس، وموقفٌ لا يتسع للظلم؛ أن تسمع العذر دون تهاون، وتحفظ النظام دون إهانة، وتملك القدرة على المحاسبة كما تملك شجاعة العفو.. وليس كل تأخر إهمالًا، ولا كل اعتراض تمردًا، ولا كل صمت رضا..
وما خسر مديرٌ هيبته لأنه أنصف، ولا نقص قدره لأنه اعتذر.

وما أحوج مدارسنا إلى إدارةٍ تدرك أن وراء الجداول والتقارير بشرًا:
معلمةً تحمل ما لا تتحدث عنه..
وإداريةً تقاوم ظرفًا خفيًا..
وطالبةً قد يغيّر مستقبلها موقفُ احتواءٍ واحد..
فالمدير لا يدير أوراقًا فحسب، وإنما يتعامل مع نفوسٍ تتأثر، وكراماتٍ ينبغي أن تُحفظ، وطاقاتٍ قد يوقظها التشجيع أو يطفئها التجريح..
وليس النجاح أن تسير الأعمال على حساب الإنسان، ولا أن يرضى الجميع على حساب العمل؛ وإنما أن يجد كل إنسان في مديره عدلًا إذا اختلف معه، ورحمةً إذا ضاقت به الحياة.

ثم إن المسؤوليات تتعاقب، والمواقع تتغير، ويظل ما يتركه الإنسان في النفوس أعمق مما يُكتب إلى جوار اسمه..ولأن ما يبقى من الإنسان أصدق مما يحمله من ألقاب، فإن ذاكرة الناس لا تحتفظ دائمًا بما أنجزه من معاملات، وإنما بما تركه فيهم من مواقف.

وأقولها لكل من يتولى الإدارة اليوم:
سيأتي يومٌ لا يذكر فيه الناس عدد تعاميمك، ولا كثرة اجتماعاتك، ولا صرامة توجيهاتك..
سيتذكر أحدهم أنك أنصفته، وستذكر أخرى أنك حفظت كرامتها، وقد يتذكر ثالث أنك كنت حازمًا معه حين احتاج إلى من يوقفه عن اخطائه..
وربما لن تعرف شيئًا من ذلك؛ فبعض الأثر يعيش في قلوب الناس بعيدًا عن أعين أصحابه.

وفي ختام هذا المقال:
 لا نطلب من كل مدير أن يكون كاملًا؛ فالكمال مطلبٌ يعجز عنه البشر..وإنما نرجو أن يبقى إنسانًا وهو يدير، ومنصفًا وهو يختلف، ومتواضعًا وهو ينجح، وكريم النفس أينما كان موقعه..
فطـوبى لمن تولّى فأحسن، وحَكَم فعدل، وقَدَر فعفا، وترك من جميل الأثر ما يُذكر به، ومن صالح العمل ما يرجو أن يلقى الله به..

وإلى كل من حمل يومًا أمانة الإدارة:
(لا تجعلوا أعظم ما في سيرتكم أنكم كنتم مديرين؛ اجعلوا أعظم ما فيها أن الناس كانوا في أمــانٍ معكم، وأن الخير بقي بعدكم)

حديث قلبٍ ممن عرف شيئًا من ثقل المسؤولية، ويعرف أن وراء كل منصبٍ إنسانًا يستحق أن يُفــهم، وأن يُنــصف، وأن يُدعـــى له.