بقلم /غازي العوني
في كل مرة تشتعل فيها الحرب في فلسطين، ترتفع أصوات كثيرة تتحدث باسم القضية الفلسطينية، وتتصاعد الشعارات والمواقف، لكن وسط كل ذلك يبقى سؤال لا ينبغي أن يغيب:
ماذا يعني أن ندافع عن فلسطين إذا كان الثمن هو تدمير الإنسان الفلسطيني؟
فلسطين ليست مجرد أرض، وليست شعارًا سياسيًا يُرفع في المناسبات، وليست قضية تختصر في الخطب والبيانات. فلسطين إنسان يعيش على أرضه، وبيت يأوي أسرة، ومدرسة تحتضن طفلًا، ومستشفى يعالج مريضًا، وجامعة تصنع مستقبل شاب، ومزرعة يحافظ صاحبها على أرضه وزيتونه.
ومن هنا، فإن الدفاع عن فلسطين لا ينبغي أن يقاس بحجم الدمار، ولا بارتفاع الشعارات، وإنما بما يحققه من حماية للإنسان الفلسطيني، وتثبيت له على أرضه، وحفظ لمقومات حياته ومستقبله.
عندما يصبح الدمار هو النتيجة
قد تبدأ بعض الأفعال بشعارات كبيرة، وقد تُقدَّم باعتبارها دفاعًا عن قضية أو مقاومة لواقع سياسي، لكن النوايا وحدها لا تكفي للحكم على النتائج.
السؤال الأهم هو: ماذا يترك الفعل وراءه؟
هل يحمي المدنيين؟
هل يحافظ على المدارس والمستشفيات؟
هل يساعد الأسرة على البقاء في منزلها؟
هل يحافظ على الاقتصاد والعمل؟
هل يمكّن المزارع من البقاء في أرضه؟
هل يفتح للجيل الجديد طريقًا إلى التعليم والمستقبل؟
إذا كانت النتيجة مزيدًا من الموت والتهجير والخراب وانهيار مقومات الحياة، فإن علينا أن نتوقف أمام مفهوم الدفاع نفسه، وأن نسأل: هل تخدم الوسيلة الإنسان الذي يفترض أن تكون القضية من أجله؟
فالقضية العادلة تحتاج إلى وسائل تحافظ على أصحابها، لا أن تجعلهم أول ضحاياها.
الإنسان أولًا
أكثر ما تحتاجه فلسطين هو إعادة الإنسان إلى مركز القضية.
فالطفل الفلسطيني يحتاج إلى مدرسة، لا إلى أنقاض مدرسة.
والمريض يحتاج إلى مستشفى، لا إلى مبنى مدمّر.
والشاب يحتاج إلى جامعة وفرصة عمل، لا إلى مستقبل مغلق.
والمزارع يحتاج إلى أرض يستطيع زراعتها، لا إلى أرض تحيط بها ظروف تجعل الحياة فيها مستحيلة.
والأسرة تحتاج إلى بيت آمن، لا إلى رحلة جديدة من النزوح.
هذه التفاصيل ليست هامشية أمام القضية الكبرى؛ إنها جوهر القضية.
فالوطن لا يُحفظ بالخطب وحدها، وإنما بحياة الناس داخله.
تثبيت الإنسان هو تثبيت للأرض
بقاء الفلسطيني على أرضه يحتاج إلى أكثر من الدعوة إلى الصمود. يحتاج إلى شروط تجعل الصمود ممكنًا.
يحتاج إلى السكن والتعليم والصحة والعمل والبنية التحتية والاقتصاد والمؤسسات.
كل مدرسة تعمل هي جزء من تثبيت المجتمع.
كل مستشفى يستمر في خدمة الناس هو حماية للحياة.
كل مزرعة تبقى منتجة هي ارتباط بالأرض.
كل جامعة تواصل رسالتها هي استثمار في المستقبل.
وكل مؤسسة تحفظ التاريخ والثقافة والهوية هي حماية للذاكرة.
ولهذا فإن إعادة بناء مقومات الحياة ليست عملًا منفصلًا عن الدفاع عن فلسطين؛ إنها إحدى أهم صوره.
شتّان بين من يهدم ومن يبني
وهنا ينبغي أن نفرق بين مسارين مختلفين تمامًا.
هناك من يساعد، بقصد أو بغير قصد، على تدمير فلسطين؛ من خلال أفعال تؤدي إلى مزيد من الدمار، وتزيد معاناة المدنيين، وتضعف مقومات الحياة، وقد تمنح الخصم مزيدًا من الذرائع.
وفي المقابل، هناك من يساعد فلسطين على البناء؛ من يدعم الإنسان، ويحافظ على المؤسسات، ويسهم في التعليم والصحة والإعمار، ويدعم الاقتصاد، ويحمي الأرض، ويعمل عبر القانون والدبلوماسية والمعرفة من أجل الحقوق الفلسطينية.
هناك من يساعد العدو على تدمير فلسطين، وهناك من يساعد الصديق على بنائها.
وشتّان بين الفريقين.
فالفارق ليس في كثرة الشعارات، وإنما في الأثر الذي يتركونه على الأرض.
من يترك مدرسة مهدمة يختلف عن من يساعد على إعادة فتحها.
ومن يترك مستشفى خارج الخدمة يختلف عن من يسهم في تشغيله.
ومن يزيد معاناة الناس يختلف عن من يعمل على تخفيفها.
ومن يدفع المجتمع نحو الانقسام يختلف عن من يعمل على تماسكه.
شتّان بين من يترك وراءه ركامًا، ومن يترك وراءه حياة.
فلسطين تحتاج إلى قوة البناء
القوة ليست فقط القدرة على المواجهة، بل القدرة على البقاء والبناء.
أن تحافظ على مدرسة في ظروف صعبة قوة.
أن تعيد تشغيل مستشفى قوة.
أن تحافظ على مزرعة وأرض زراعية قوة.
أن تواصل الجامعة رسالتها قوة.
أن يستمر الاقتصاد في العمل قوة.
وأن يستطيع الإنسان أن يعيش على أرضه ويبني مستقبله قوة.
فالمجتمع الذي يمتلك القدرة على البناء يمتلك قدرة أكبر على حماية وجوده ومستقبله.
الجهاد الصالح هو البناء
إذا كان الجهاد يعني بذل الجهد والطاقة في سبيل غاية عظيمة، فإن من أهم صور هذا الجهد أن يكون الإنسان بنّاءً لا هدّامًا.
فالجهاد الصالح من أجل فلسطين لا يكون بهدم ما نريد حمايته، ولا بتحويل الإنسان إلى وقود للصراع، ولا بجعل التحزبات والانقسامات أكبر من القضية نفسها.
الجهاد الصالح هو أن تبني.
أن تبني مدرسة.
أن تعيد بناء مستشفى.
أن تعمر بيتًا.
أن تزرع أرضًا.
أن تنشئ جامعة.
أن تنتج معرفة.
أن تدعم البحث العلمي.
أن توفر فرصة عمل.
أن تحفظ التراث.
أن توثق التاريخ.
أن تساعد الإنسان على البقاء في أرضه.
فكل جهد يعيد الحياة إلى مكانها هو جهد في سبيل فلسطين.
وكل عمل يحمي الإنسان ويزيد قدرته على البقاء هو عمل يخدم القضية.
أما الهدم فلا ينبغي أن يصبح غاية في ذاته؛ لأنك لا تستطيع أن تحمي وطنًا بتدمير مقومات الحياة فيه.
الأثر النافع بدل التحزبات
القضية العادلة لا تحتاج إلى أن تتحول إلى ساحة للتحزبات والانقسامات.
فحين تصبح الجماعة أهم من الإنسان، والشعار أهم من النتيجة، والانتماء أهم من المصلحة العامة، تضيع البوصلة.
فلسطين أكبر من أي تحزب، وأبقى من أي شعار، وأهم من أي خلاف.
والسؤال الذي ينبغي أن يجمع الجميع هو:
ماذا قدمنا لفلسطين؟
هل قدمنا علمًا؟
هل قدمنا علاجًا؟
هل قدمنا بناءً؟
هل قدمنا معرفة؟
هل دعمنا إنسانًا؟
هل حافظنا على أرض؟
هل أسهمنا في إعادة إعمار؟
هل تركنا أثرًا نافعًا؟
فالأثر النافع هو المعيار الذي يبقى بعد انحسار الضجيج.
قد ينسى الناس كثيرًا من الشعارات، لكنهم لا ينسون مدرسة بُنيت، أو مريضًا عولج، أو بيتًا أُعيد، أو طفلًا تعلّم، أو أسرة استطاعت أن تبقى في أرضها.
الثبات ليس شعارًا
الثبات الحقيقي ليس كلمة تُقال، بل حياة تُمارس.
أن يبقى الفلسطيني على أرضه.
أن يبقى البيت قائمًا.
أن تبقى المدرسة مفتوحة.
أن يبقى المستشفى يعمل.
أن يبقى المزارع يزرع.
أن يبقى الطالب يتعلم.
أن تبقى المؤسسات حاضرة.
وأن يبقى الأمل ممكنًا.
هذا هو الثبات الذي يحتاج إلى عمل يومي طويل.
أما الشعارات، مهما كانت قوية، فإنها لا تكفي وحدها لبناء مستقبل.
الثبات فعل، وليس مجرد شعار.
القانون والمعرفة والدبلوماسية
الدفاع عن فلسطين لا يمر عبر طريق واحد.
هناك القانون، والدبلوماسية، والتوثيق، والإعلام، والبحث العلمي، والعمل الإنساني، وإعادة الإعمار.
كل هذه أدوات يمكن أن تسهم في حماية الحقوق وتقوية المجتمع.
فالتوثيق يحفظ الحقيقة.
والبحث العلمي ينتج المعرفة.
والقانون يوفر مسارات لمتابعة الحقوق والانتهاكات.
والدبلوماسية تفتح مساحات للعمل السياسي.
والإعلام المهني يقدم الحقائق للرأي العام.
والعمل الإنساني يحمي الإنسان في لحظة حاجته.
هذه ليست أعمالًا هامشية، بل أجزاء من منظومة أوسع للدفاع عن الإنسان والقضية.
لا تجعلوا الفلسطيني ثمنًا للقضية
من السهل أن يتحدث الإنسان عن الحرب وهو بعيد عنها.
لكن من يعيش تحت الخطر، أو يفقد منزله، أو يبحث عن دواء لطفله، أو يحاول الوصول إلى مدرسة، لا يرى الحرب مجرد عنوان سياسي.
إنه يعيش نتائجها كل يوم.
ولهذا يجب أن يبقى الفلسطيني حاضرًا في قلب كل نقاش حول فلسطين.
ليس رقمًا في إحصاء.
وليس صورة في نشرة.
وليس أداة في خطاب.
بل إنسانًا له حق في الحياة والكرامة والأمن والمستقبل.
فالقضية العادلة لا ينبغي أن تجعل الإنسان وقودًا دائمًا للصراع.
بل ينبغي أن تكون وسيلة لحماية كرامته وحقوقه ومستقبله.
فلسطين أكبر من الحرب
فلسطين أكبر من مشهد الدمار.
هي تاريخ وثقافة ومدن وقرى وأرض وزراعة وتعليم وعلم وفن وذاكرة وإنسان.
ولهذا فإن مستقبلها لا ينبغي أن يُرسم فقط من خلال ما يحدث في ساحات الصراع، بل أيضًا من خلال ما يُبنى في المدارس والجامعات والمستشفيات والمزارع والمؤسسات.
كلما اتسعت مساحة الحياة، ضاقت مساحة اليأس.
وكلما ازدادت قدرة الإنسان على البقاء، أصبح ارتباطه بأرضه أكثر رسوخًا.
وكلما امتلك المجتمع مؤسسات قوية، أصبح أكثر قدرة على حماية حقوقه ومستقبله.
الدفاع الحقيقي
ربما آن الأوان لأن نعيد تعريف الدفاع عن فلسطين.
الدفاع ليس فقط أن نواجه.
الدفاع أن نحمي.
أن نبني.
أن نعلم.
أن نعالج.
أن نعمر.
أن نوثق.
أن ننتج المعرفة.
أن نحافظ على الأرض.
أن ندعم الاقتصاد.
أن نحمي المؤسسات.
وأن نجعل حياة الفلسطيني على أرضه ممكنة.
فكل مدرسة تبقى مفتوحة هي دفاع.
وكل مستشفى يستمر في خدمة الناس هو دفاع.
وكل مزرعة تبقى منتجة هي دفاع.
وكل جامعة تخرج جيلًا جديدًا هي دفاع.
وكل بيت يبقى عامرًا بأهله هو دفاع.
وكل فلسطيني يستطيع أن يعيش بكرامة على أرضه هو جزء من حماية فلسطين.
الخاتمة: من يترك الحياة ومن يترك الركام؟
في النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال: من رفع شعار فلسطين أكثر؟
بل:
من خدم فلسطين أكثر؟
من حمى إنسانها؟
من حافظ على أرضها؟
من بنى مؤسساتها؟
من دعم تعليمها؟
من أسهم في علاج مرضاها؟
من أعاد إعمار بيوتها؟
من أنتج المعرفة التي تحمي تاريخها وحقوقها؟
من ترك أثرًا نافعًا؟
فشتّان بين من يساعد العدو على تدمير فلسطين، ومن يساعد الصديق على بنائها.
وشتّان بين من يجعل التحزبات والانقسامات طريقًا، ومن يجعل الوحدة والعمل طريقًا.
وشتّان بين من يكتفي بالشعارات، ومن يترجم موقفه إلى عمل.
الجهاد الصالح بناءٌ لا هدم، وأثرٌ نافع لا تحزّب، وثباتٌ لا شعارات.
فلسطين لا تحتاج إلى مزيد من الدمار لكي تثبت أنها قضية عادلة.
تحتاج إلى إنسان يبقى.
وأرض تُعمر.
ومؤسسات تُبنى.
ومعرفة تحفظ الحقيقة.
وقانون يحمي الحقوق.
ومستقبل يستطيع الفلسطيني أن يراه أمامه.
فالدفاع عن فلسطين لا يكون بتدميرها؛ بل ببناء الإنسان، وإعمار الأرض، وحماية الحياة، وصناعة الأثر النافع.