الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٩ سبتمبر-٢٠٢٦       18975

السعودية.. أ.تركي عبدالرحمن البلادي ,

في الدول الكبرى لا يكون الأمن مجرد سياج يحمي الحدود، بل منظومة متكاملة تحمي المستقبل، وتصون الاقتصاد، وتحفظ حياة الإنسان، وتمنح التنمية المساحة التي تحتاجها لتتقدم بثبات وفي المملكة العربية السعودية، أصبح الأمن أحد أهم أعمدة النهضة الحديثة، وشريكًا أصيلًا في صناعة الاستقرار وبناء المستقبل.

 

السعودية اليوم ليست دولة تنتظر الأحداث، بل دولة تعرف موقعها، وتدرك حجم مسؤوليتها، وتملك من القوة والوعي ما يجعلها قادرة على حماية مكتسباتها ومصالحها وبينما تعيش المنطقة تحديات سياسية وأمنية متسارعة، تواصل المملكة مسيرتها بثقة، دون أن تسمح لمحاولات العبث أو التهديد بأن تعطل مشروعها الوطني أو تربك خطواتها نحو المستقبل.

 

وتعيد أحداث اليمن الأخيرة إلى الواجهة حقيقة ظلت واضحة طوال سنوات الصراع وهي أن المملكة لا تواجه دولة بجيش نظامي ومؤسسات مستقرة، بل مليشيا مسلحة ارتبط مشروعها منذ سنوات بالدعم والنفوذ الإيراني، وتحولت إلى إحدى أوراق الضغط التي تستخدمها طهران لإشغال المنطقة واستنزاف خصومها وتهديد أمن الممرات والمصالح الإقليمية.

 

والفارق في ميزان القوة واضح. فمليشيا الحوثي، مهما امتلكت من صواريخ أو طائرات مسيّرة أو وسائل حرب غير متكافئة، لا تستطيع أن تقف عسكريًا في مواجهة مباشرة ومفتوحة مع جيش بحجم الجيش السعودي، بما يملكه من احتراف وتسليح متقدم وقدرات جوية ودفاعية وتقنية عالية. ولهذا تلجأ المليشيا إلى أساليب لا تعكس تفوقًا عسكريًا، بل تكشف محدودية قدرتها على الحسم في الميدان.

 

وعندما تضيق خياراتها العسكرية، يصبح استهداف المدنيين والمنشآت محاولة لتعويض الفشل في ساحات المواجهة. فالقوة الحقيقية لا تُقاس بقدرة إطلاق مقذوف على المدنيين، بل بالثبات في الميدان، وحماية الأرض، والقدرة على بناء دولة تحظى بثقة شعبها. أما إطلاق الصواريخ والمسيّرات نحو المدن والمرافق المدنية فلا يصنع نصرًا، ولا يحول المليشيا إلى جيش، ولا يمنح مشروعها شرعية سياسية أو عسكرية.

 

وتزداد المفارقة حين نرى طبيعة المواجهة الإنسانية. فالمملكة، رغم امتلاكها القدرة العسكرية الكبيرة، ظلت تتعامل مع مسرح العمليات بمسؤولية دولة تدرك قيمة الإنسان، وتضع حماية المدنيين في مقدمة الاعتبارات. وتعقيد الميدان اليمني، وتداخل المسلحين مع البيئات السكانية، يجعل القرار العسكري أكثر حساسية، ومع ذلك يبقى تجنيب الأبرياء آثار المواجهة فارقًا جوهريًا بين دولة تمتلك القوة وتضبط استخدامها، ومليشيا توظف الفوضى والبيئة المدنية لمصلحة مشروعها.

 

وهنا يظهر الفرق بين الدولة والمليشيا الدولة تبني المؤسسات وتحمي المدنيين وتحسب عواقب قراراتها، بينما تبحث المليشيا عن البقاء عبر إطالة الصراع، وفتح جبهات جانبية، وتحويل اليمن إلى ساحة تستخدمها قوى خارجية في صراعاتها الإقليمية.

 

ومع كل ذلك، لم تتوقف عجلة التنمية السعودية. المدن تتغير، والمشروعات الكبرى تنهض، والاستثمارات تتدفق، والاقتصاد يتوسع، والمملكة تمضي في رؤيتها بثبات. وهذه وحدها رسالة بالغة الدلالة: أن من يريد إشغال السعودية بالمقذوفات والتهديدات يواجه دولة تبني مستقبلها وهي تحمي حاضرها في الوقت نفسه.

 

إن أمن المملكة اليوم لا يحمي الحدود فقط، بل يحمي اقتصادًا عالمي التأثير، ومنشآت طاقة، وممرات تجارة، ومشروعًا وطنيًا ضخمًا، ومستقبل أجيال. ولذلك فإن استقرار السعودية ليس شأنًا داخليًا فحسب، بل ركيزة أساسية في استقرار المنطقة.

 

لقد أثبتت المملكة أن القوة ليست في الضجيج، ولا في المقذوفات التي تطال المدنيين، بل في جيش قادر، ودولة راسخة، واقتصاد يتقدم، وقرار سياسي يعرف متى تكون القوة مطلوبة، ومتى تكون الحكمة أكثر تأثيرًا.

 

السعودية لا تحرس حدود وطن فقط، بل تحرس نهضة أمة، وتحمي إنسانًا، وتصون مستقبل أجيال.